فرح مطروح الأخير أثبت أمرًا واحدًا، وربما كان هذا هو الدرس الأهم من كل ما قيل وكتب: أن جزءًا من الإعلام عندنا لا يعرف شيئًا عن المجتمع البدوي في مطروح.
أغلب ما قيل عن الفرح كان مبالغًا فيه إلى درجة أثارت دهشة أهالي مطروح أنفسهم، بل إن بعض ما تم تداوله لم يكن قريبًا من الحقيقة، لأن من كتبوا وتحدثوا عن المشهد لم يعرفوا طبيعة المجتمع الذي يتحدثون عنه، ولا عاداته، ولا طريقة أهله في الأفراح والأحزان.الغريب أن ننتمى لدولة واحدة و لا نعرف عادات و تقاليد بعضنا البعض، حتى الدراما نفسها عندما تتناول تجد نفسك أمام سيناريو ساذج و حوار سطحى ، و كأن اللهجة البدوية هى تعطيش حرف الجيم فقط.
أهل مطروح، من شرقها إلى غربها، أهل كرم ، وهذه ليست جملة إنشائية، وإنما طبيعة يعرفها كل من عاش بينهم أو اقترب منهم. وهم أيضًا مجاملون إلى أقصى درجة في الأفراح والأحزان؛ فالفرح عندهم ليس مناسبة خاصة بصاحب الدعوة وحده، وإنما مناسبة اجتماعية يشارك فيها الأصدقاء والأقارب والجيران، وأحيانًا من لا تربطهم بصاحب الفرح علاقة مباشرة.
ولهذا، عندما يكون هناك فرح أو عقد قران في مطروح، فمن الطبيعي أن تجد أعدادًا كبيرة من الناس يشاركون في الفرحة.
كثير منهم يصطحب معه الذبائح، تعبيرًا عن المجاملة والدعم لصاحب الفرح.
هذه واحدة من السمات التي تشتهر بها مطروح، وربما نجد شيئًا قريبًا منها في بعض مجتمعات صعيد مصر، حيث لا تزال روابط المجتمع أقوى من فكرة المناسبة الخاصة المغلقة.
لكن الإعلام تعامل مع المشهد وكأنه اكتشف ظاهرة غريبة، ثم بدأت التحليلات والتعليقات والشائعات، وكأن كل من شاهد صورة أو مقطع فيديو أصبح خبيرًا بالمجتمع البدوي وعاداته وتقاليده!
والحقيقة أن العرس في مطروح له طبيعته الخاصة.
الأفراح غالبًا تحتاج إلى مساحات كبيرة تستوعب أعداد المشاركين، ولذلك قد يقام الفرح داخل المدينة،فى أرض فضاء، وقد يقام في منطقة على أطراف مرسى مطروح، ليس لأن هناك شيئًا غريبًا في الأمر، وإنما لأن المكان الواسع يوفر مساحة للضيوف، وكذلك مساحة مناسبة لسياراتهم.
هذه تفاصيل بسيطة جدًا، لكنها تبدو غريبة لمن لا يعرف طبيعة المكان.
المشكلة إذن ليست في أفراح مطروح، وإنما في طريقة تناول الإعلام له.
لقد أصبحنا في زمن يمكن فيه لأي شخص أن يفتح محرك البحث، يكتب كلمات قليلة، ثم يقدم نفسه باعتباره يعرف كل شيء عن مجتمع أو مدينة أو قبيلة أو عادة لم يعش بينها يومًا واحدًا.
الإعلام ليس محرك بحث.
جوجل يمكن أن يعطيك معلومة، لكنه لن يمنحك بالضرورة فهمًا لمجتمع. والصورة يمكن أن تنقل لك مشهدًا، لكنها لا تشرح لك ثقافة المكان ولا علاقات أهله ولا عاداته.
والأخطر من ذلك أن بعض الذين لا يعرفون أبناء البادية تبرعوا في إطلاق الأحكام والشائعات، وكأن الاختلاف في العادات والتقاليد يسمح للإنسان بأن يحكم على الآخرين من بعيد.
يا سادة.. ليس كل ما لا تعرفونه غريبًا، وليس كل ما يختلف عن عاداتكم خطأ.
هناك مجتمعات مصرية ما زالت تحتفظ بروابط اجتماعية قوية، وبمفهوم مختلف للفرح والحزن والواجب الاجتماعي. ومطروح واحدة من هذه المجتمعات التي تحتاج إلى من يفهمها قبل أن يكتب عنها.
لقد كان التناول الإعلامي لفرح مطروح مضحكًا لأهالي مطروح.. نعم، مضحكًا بمعنى الكلمة، لأن أبناء المكان كانوا يرون في بعض ما يقال شيئًا بعيدًا تمامًا عن واقعهم.
ولعل ما حدث يكون درسًا صغيرًا للإعلام الكبير: إذا أردت أن تكتب عن مجتمع، اسأل أبناءه أولًا.
لا تجعل محرك البحث مصدر الحقيقة الوحيد، ولا تجعل صورة على مواقع التواصل بديلًا عن الصحفي الذي يعرف الناس ويسألهم ويذهب إليهم.
فأفضل من يروي تفاصيل المكان هو ابن المكان نفسه، وأفضل من يشرح عادة اجتماعية هو من عاشها، وأفضل من يكتب عن مجتمع هو من يعرف أهله، لا من اكتفى بمشاهدة صورة عنه على شاشة هاتفه.
مطروح ليست صورة على السوشيال ميديا.. مطروح مجتمع له تاريخه وعاداته وخصوصيته، ومن يريد أن يكتب عنها عليه أولًا أن يعرفها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
