قرأت كثيرًا من التحليلات السياسية التي تناولت زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى مصر، صباح أمس الثلاثاء ، وتابعت ما كتبته الصحف وما قيل على الشاشات عن الملفات التي حملتها الزيارة، وعن الرسائل السياسية التي يمكن قراءتها بين سطورها.
لكنني، بعيدًا عن كل هذه القراءات، وجدت نفسي أمام حقيقة أبسط وأعمق..
مصر والسعودية ليستا مجرد دولتين تجمعهما المصالح.. إنهما دولتان جمعتهما الجذور.
وهناك فرق كبير بين علاقة تصنعها السياسة، وعلاقة تصنعها الأيام والتاريخ والإنسان.
السياسة قد تتغير، والمصالح قد تتبدل، والظروف قد تفرض حسابات جديدة، لكن هناك علاقات تصبح مع الوقت أكبر من السياسة نفسها، لأن الشعوب تكون قد وضعت فيها شيئًا من ذاكرتها ووجدانها وتاريخها.
وهكذا أرى العلاقة بين مصر والسعودية.
علاقة لا تحتاج في كل مرة إلى أن تبدأ من جديد، لأنها لم تبدأ أصلًا ببيان رسمي أو اتفاقية أو بروتوكول.
بدأت من الإنسان.
من المصري الذي عاش في السعودية، والسعودي الذي جاء إلى مصر، ومن ملايين الحكايات الصغيرة التي صنعت عبر الزمن علاقة بين شعبين لا يشعر أحدهما أن الآخر غريب عنه.
بدأت من الثقافة، ومن الفن، ومن التعليم، ومن العمل، ومن الحج والعمرة، ومن البيوت التي فتحت أبوابها لأبناء البلدين، ومن أجيال كاملة وجدت في القاهرة والرياض امتدادًا طبيعيًا للبيت العربي الكبير.
ولهذا فإنني كلما نظرت إلى خريطة الأزمات التي تحاصر المنطقة العربية اليوم، ازداد يقيني بأن القاهرة والرياض ليستا أمام رفاهية الاختيار.
هناك مسؤولية مشتركة.
وهناك تاريخ مشترك.
وهناك مستقبل لا يمكن أن تنفصل حساباته عن بعضها.
مصر بثقلها التاريخي والحضاري والبشري، والسعودية بثقلها العربي والإسلامي والاقتصادي والسياسي، تملكان من عناصر القوة ما يجعل التقارب بينهما أمرًا يتجاوز حدود العلاقة الثنائية.
إنه تقارب يمس قلب المنطقة العربية.
ولذلك فإن زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة لا أراها مجرد زيارة مسؤول إلى عاصمة عربية.
أراها لقاءً بين بلدين يعرف كل منهما مكان الآخر جيدًا.
يعرفان أن هناك ملفات كثيرة يمكن مناقشتها، ومصالح يمكن تطويرها، ورؤى يمكن تبادلها، لكن هناك قبل كل ذلك أصلًا ثابتًا لا يحتاج إلى تفاوض.. هو أن القاهرة والرياض تنتميان إلى قلب عربي واحد.
وقد تمر العلاقات الإنسانية بمساحات من الاختلاف، لكن ذلك لا يغير جوهر العلاقة حين تكون الجذور عميقة.
فالأسرة لا تقيس صلة الدم بعدد مرات الاتفاق.
ولا تقيس المحبة بعدد المواقف المتطابقة.
الأسرة تعرف أن بعض الروابط أكبر من التفاصيل.
وهذا بالضبط ما يجعلني أنظر إلى مصر والسعودية باعتبارهما أقرب إلى عائلة واحدة منها إلى دولتين تجمعهما المصالح فقط.
عندما تحتاج السعودية إلى مصر، فإن القاهرة ليست مجرد عاصمة يمكن التواصل معها عبر القنوات الدبلوماسية.
إنها بيت عربي كبير.
وعندما تحتاج مصر إلى السعودية، فإن الرياض ليست مجرد عاصمة أخرى في خريطة العلاقات الدولية.
إنها أيضًا بيت يعرف المصريون طريقه.
وهنا تكمن قوة العلاقة.
أن يكون الطريق بين العاصمتين معروفًا قبل أن تفتحه الدبلوماسية.
أن يكون هناك تاريخ يمهد الطريق قبل أن تضع السياسة خرائطها.
وأن يكون الإنسان حاضرًا خلف كل الاتفاقيات والبيانات.
لقد تغير العالم كثيرًا، وتغيرت خرائط المصالح، وظهرت أزمات جديدة لم تكن موجودة بالأمس، لكن بعض الأشياء لا تتغير بسهولة.
منها أن مصر والسعودية كلما وقفتا إلى جوار بعضهما، لم يكن الأمر متعلقًا فقط بمصلحة مصرية أو سعودية، وإنما كان صدى ذلك يصل إلى مساحة عربية أوسع.
لأن ما يحدث في القاهرة لا يمكن عزله تمامًا عن الرياض.
وما يحدث في الرياض لا يمكن أن تنظر إليه القاهرة باعتباره شأنًا بعيدًا.
هذا هو معنى الجسد الواحد. إذا تألم جزء منه شعر الآخر بالألم.
وإذا تعافى جزء منه انعكس ذلك على الجسد كله.
ولذلك فإن قوة العلاقة المصرية السعودية ليست في ألا تختلفا أبدًا، وإنما في أن ما يجمعهما أكبر من أي ظرف عابر.
أكبر من الأشخاص. وأكبر من الحكومات. وأكبر من اللحظة السياسية نفسها.
إنها علاقة صنعتها الشعوب قبل أن تصوغها الحكومات.
وحمَتها الذاكرة قبل أن تحرسها الاتفاقيات.
ولهذا أعتقد أن أهم ما تحتاجه المنطقة العربية اليوم ليس المزيد من الخطب عن الوحدة، وإنما المزيد من العلاقات العربية التي تستند إلى جذور حقيقية.
وفي مقدمة هذه العلاقات تأتي مصر والسعودية.
ففي زمن تتغير فيه التحالفات بسرعة، وتتشابك فيه الأزمات، وتصبح المنطقة العربية أكثر حاجة إلى التفاهم والتنسيق، تظل القاهرة والرياض عنوانًا لعلاقة تستطيع أن تستند إلى التاريخ، لكنها تنظر أيضًا إلى المستقبل.
وربما لهذا السبب، فإنني لا أرى في كل لقاء مصري سعودي مجرد صورة تجمع زعيمين، ولا مجرد مصافحة بين مسؤولين.
أرى خلف الصورة شعبين.
وأرى تاريخًا طويلًا. وأرى مستقبلًا عربيًا يحتاج إلى أن تظل القاهرة والرياض قريبتين.
فبعض العلاقات لا تحكمها السياسة وحدها.. بعض العلاقات تحكمها الجذور.
ومصر والسعودية..حين تتكلم جذورهما، تصمت كل التفاصيل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض