رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى


هل هناك من يشكك في فن الرحبانية؟
هل هناك من يستطيع أن يشكك في ثقافة الرحبانية، وفي علاقتهم العميقة بالموسيقى العربية وتراثها؟
وهل يمكن أن نختلف مع الرحبانية في محبتهم لسيد درويش، وهم الذين رأوا فيه عبقريًا موسيقيًا ورائدًا للمسرح الغنائي، ومُلهمًا لأجيال جاءت بعده؟
أسأل هذه الأسئلة لأنني لا أريد أن أدخل في معركة مع أحد، ولا أن أحوّل قضية موسيقية إلى سجال شخصي. كل ما أريده هو الإجابة.
هل كان «زوروني كل سنة مرة» عملاً غنائيًا قدمه سيد درويش عام 1917؟ فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يأتي بعد أكثر من قرن من ظهوره من يقول إن اللحن ليس لسيد درويش؟
السؤال هنا ليس اتهامًا لأحد، وإنما سؤال في التاريخ والتوثيق.
ولو كان هذا العمل من تراث بلد آخر، أو كانت له حكاية مختلفة، أليس من الطبيعي أن يكون هناك من أهل ذلك البلد من احتفظ بالرواية؟ أليس من حقنا أن نسأل: أين كانت هذه الرواية طوال أكثر من مائة عام؟ وهل يعقل أن أجيالاً متعاقبة من كبار المطربين والموسيقيين السوريين والعرب لم تعرف صاحب اللحن الأصلي، إذا كان هناك صاحب آخر غير سيد درويش؟
هذه ليست أسئلة استفزازية، وإنما أسئلة مشروعة.
وأنا شخصيًا لا أريد أكثر من الإجابة عنها بالوثيقة والمعرفة والتاريخ، بعيدًا عن الانفعال. لأنني لا أريد أن أدخل في جدل مع من لا يملكون المعرفة الكافية بتاريخ الأغنية العربية، ولا أن أشارك في نقاش يمكن أن يتحول إلى تشكيك في قيمة فنان الشعب سيد درويش.
والأهم عندي أنني لا أقبل أن يصبح سيد درويش، بعد أكثر من مائة عام على رحيله، مادة سهلة لإطلاق الآراء بلا سند.
الرحبانية أنفسهم كانوا يعرفون قيمة سيد درويش.
عاصي الرحباني، الذي فتح عينيه في طفولته على موسيقى سيد درويش، رأى فيه فنانًا متمردًا، استطاع أن يترجم الأحاسيس الشعبية إلى قوالب موسيقية سليمة، وأن يمنح الأوبريت روحًا جديدة وحرفية عالية.
وكان تأثير سيد درويش في المدرسة الرحبانية أعمق من مجرد إعجاب عابر بموسيقار قديم. لقد كانت ألحانه جزءًا من التكوين الموسيقي والوجداني لعاصي ومنصور، ثم امتد هذا التأثير إلى زياد الرحباني.و هذا فى حد ذاته بمثابة شهادة فى حق درويش.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تغني فيروز «زوروني كل سنة مرة»، وأن تقدم المدرسة الرحبانية أعمالاً أخرى من تراث سيد درويش مثل «الحلوة دي» و«طلعت يا محلا نورها» و«يا شادي الألحان»، لكن برؤية جديدة وتوزيعات تنتمي إلى زمنها.
وهنا نحن أمام مفارقة تستحق التأمل:
الرحبانيون الذين امتلكوا مشروعًا موسيقيًا مختلفًا، لم يروا في سيد درويش منافسًا ينبغي إسقاطه من التاريخ، وإنما رأوا فيه أحد الجسور التي عبروا فوقها إلى المستقبل.
وهذا هو معنى الفنان الكبير.
سيد درويش لم يكن مجرد ملحن ترك عددًا من الأغاني ثم رحل. الرجل عاش بين عامي 1892 و1923، ولم يتجاوز عمره 31 عامًا ميلاديًا، وكانت سنواته الإبداعية الفعلية قصيرة للغاية. ومع ذلك، استطاع خلال هذه الفترة المحدودة أن يغيّر شكل الموسيقى والغناء والمسرح الغنائي في مصر.
لم يتعلم الموسيقى أكاديميًا بالمعنى التقليدي، ولم يكن قارئًا للنوتة الموسيقية، وكان يحلم بالسفر إلى إيطاليا لدراسة الموسيقى قبل أن يسبقه الموت.
ومع ذلك، ترك وراءه ما جعل السؤال عن أثره بعد قرن من رحيله أهم من السؤال عن عدد السنوات التي عاشها.
ماذا كان يمكن أن يفعل سيد درويش لو عاش أكثر؟
سؤال ظل يراود النقاد والمؤرخين والموسيقيين.
لكنني أرى أن هناك سؤالاً آخر أكثر أهمية:
ماذا فعل سيد درويش في السنوات القليلة التي عاشها، حتى ظل تأثيره مستمرًا بعد أكثر من قرن؟
لقد صنع الرجل جسرًا عبرت عليه أجيال كاملة.
وهنا تكمن عبقرية سيد درويش الحقيقية.
فالمبدع الكبير لا يقاس فقط بعدد أعماله، ولا بعدد السنوات التي عاشها، وإنما بما يتركه من أثر فيمن يأتي بعده.
قد يرحل الفنان، لكن طريقته في النظر إلى الفن تبقى.
قد يموت الصوت، لكن الصدى يظل حاضرًا.
وقد ينتهي عمر الإنسان، بينما يبدأ عمر تأثيره الحقيقي.
ولهذا فإن سيد درويش لم يترك لنا ألحانًا فقط، وإنما ترك خريطة جديدة للموسيقى العربية.
ومن هنا يصبح الدفاع عن نسبة عمل مثل «زوروني كل سنة مرة» إليه ليس دفاعًا عن اسم في كتاب، وإنما دفاع عن ذاكرة موسيقية كاملة.
إذا كانت هناك رواية أخرى، فلتخرج إلى النور.
إذا كانت هناك وثيقة، فلنقرأها.
إذا كان هناك تسجيل أو مخطوط أو شهادة تاريخية موثقة، فليكن هو الحكم.
لكن التاريخ لا يُعاد بالانطباعات.
ولا يمكن أن نضع أغنية عمرها أكثر من قرن أمام ميكروفون اليوم، ثم نعيد كتابة نسبها لأن أحدًا قال ذلك.
أنا لا أريد خصومة مع أحد، ولا أريد أن أنتصر لرأي شخصي.
أريد فقط أن نعرف الحقيقة.
فـ«زوروني كل سنة مرة» ليست مجرد أغنية.
إنها قطعة من ذاكرة العرب الموسيقية.
وسيد درويش ليس مجرد اسم في سجل الملحنين.
إنه واحد من الذين رسموا الطريق الذي سار عليه من جاء بعده، ومن بينهم الرحبانيون أنفسهم.
أما «زوروني كل سنة مرة» فالحكاية أقدم من الجدل الذي ظهر حولها اليوم. فالمصادر التي تؤرخ للأغنية في سياق الغناء المصري تربط ظهورها بصورتها المعروفة بعام 1917، وتنسب كلماتها إلى الشاعر محمد يونس القاضي، ولحنها إلى سيد درويش، وكان المطرب حامد مرسي من أوائل من غناها، بل تروي المصادر أن جورج أبيض سمعها في الإسكندرية وأُعجب بها، وكانت سببًا في دفع سيد درويش إلى الانتقال إلى القاهرة والعمل في المسرح الغنائي. كما أن الأغنية ظلت منذ ذلك الوقت حاضرة في الذاكرة الغنائية العربية، وغناها عدد كبير من المطربين، قبل أن تمنحها فيروز، بتوزيع ورؤية الرحبانيين، حياة جديدة وانتشارًا واسعًا في العالم العربي.
لكن هناك رواية أخرى لا ينبغي تجاهلها عند الحديث عن أصل اللحن، وهي التي تنسب جذوره إلى الملا عثمان الموصلي، وتربط «زوروني» بعمل ديني أقدم يُشار إليه باسم «زر قبر الحبيب مرة». وقد أشار إلى هذه الرواية عدد من الكتاب والباحثين في الموسيقى، ومن بينهم حسين الأعظمي، كما ربطت بعض المصادر بين لقاء سيد درويش بالموصلي خلال رحلته إلى الشام وبين تأثره بألحانه. غير أن وجود هذه الرواية لا يعني، في حد ذاته، أن «زوروني كل سنة مرة» عمل فلكلوري عراقى أو سوري، ولا يلغي التاريخ الموثق لظهورها في مصر بصيغتها المعروفة عام 1917 ونسبتها إلى سيد درويش.
وهنا تحديدًا يجب أن نفرق بين ثلاثة أشياء: أصل أو جذور لحنية محتملة، وبين الصياغة الفنية التي وصلت إلى الجمهور، وبين نسبة العمل كما استقر عليها تاريخ الغناء. فإذا كانت هناك وثيقة جديدة تنقض هذه الرواية، فلتُعرض على الباحثين والمؤرخين الموسيقيين، ولتكن الوثيقة هي الحكم؛ أما مجرد القول بأن اللحن «تراث» فلا يكفي وحده لإعادة كتابة أكثر من قرن من تاريخ أغنية ارتبطت باسم سيد درويش وغناها المصريون والعرب جيلاً بعد جيل.

و لى تعليق  مهم على الرواية الثانية الخاصة بالموصلى.
ويجعلنى أطرح سؤالًا أراه كاشفًا أكثر من كل الجدل: إذا كانت الرواية التي تقول إن «زوروني كل سنة مرة» تعود في أصلها إلى الملا عثمان الموصلي صحيحة، فلماذا لم تقدمها المدرسة الرحبانية، بكل ما تملكه من معرفة بالتراث العربي، على أنها عمل للموصلي؟ ولماذا نُسبته إلى سيد درويش في تقديمهم لها؟ فالرحبانيون في كل الأحوال ليسوا أصحاب اللحن؛ لا إذا كان لسيد درويش، ولا إذا ثبت أنه للموصلي. وبالتالي لم تكن لديهم مصلحة فنية في اختيار اسم سيد درويش تحديدًا إلا إذا كانوا يرون أن الصيغة التي وصلت إليهم واستقرت في الذاكرة العربية هي صيغة سيد درويش. بل إن هذا الاختيار، في تقديري، يكشف شيئًا مهمًا عن ثقافتهم وأمانتهم تجاه التراث: كانوا يعرفون أن العمل له صاحب، فنسبوه إلى من عرفوه صاحبًا له. ولذلك فإنني أميل إلى الوثوق برواية الرحبانيين في هذه النقطة، لا لأنهم طرف في الحكاية، وإنما لأنهم كانوا مدرسة فنية عاشت مع التراث العربي، وغاصت في تفاصيله، وقدمت أعمالًا كثيرة منه، ولم تكن في حاجة إلى سرقة اسم أو صناعة مجد من لحن ليس لها. وإذا كانت هناك وثيقة تاريخية تقول إن الموصلي هو صاحب اللحن الأصلي، فلتظهر الوثيقة، ولتُحسم المسألة بالبحث العلمي؛ أما حتى تظهر، فإن نسبة الرحبانيين العمل إلى سيد درويش تظل شهادة فنية لها وزنها، خصوصًا أن فيروز قدمت الأغنية في تسجيلها المعروف بوصفها من ألحانه.
**وأختم هنا بشهادة زياد الرحبانى**  
روى زياد الرحباني قصةً شهيرة عن إبهار أغنية "زوروني كل سنة مرة" لموسيقي ألماني أثناء عملية "المكساج" لأعمال فيروز عام 2000. 
حيث قال إن الموسيقي الألماني كان يجلس في غرفة مجاورة للاستوديو وطلب الدخول لسماع الأغنية من الداخل بعد أن سمعها من خلف الباب، وسأله منبهراً عن هوية ملحنها، فأجابه زياد بأنه الملحن المصري سيد درويش الذي توفي عام 1923.