رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

مراجعات

على مدار شهور، أعيش كابوسًا مزعجًا، لا يتوقف آناء الليل وأطراف النهار، ولم أعد أعرف إن كان هاتفي المحمول وسيلة للتواصل مع الآخرين، أم مكتبًا مفتوحًا لتلقي عروض المطورين العقاريين وشركات التمويل والبنوك والسيارات!

عشرات المكالمات أتلقاها يوميًا، من أرقام عشوائية مجهولة، عجزت التطبيقات الحديثة عن تحديد هوية المتصل، لأجد أصواتًا غريبة تحدثني بـ«عشم زائد»، وتبشرني بعروضٍ وفُرَصٍ مغرية، وكأنني أصبحت فجأة أحد الأثرياء أو رجل أعمال ينتظر فقط من يُرشده إلى وجهته القادمة في الاستثمار!

اللافت أنني وجدتُ نفسي عاجزًا وحائرًا، أمام أسئلة لم أجد لها إجابة حتى الآن، وهي كيف حصل هؤلاء المتطفلون على أرقامي الشخصية، ومَن منحهم الحق في اقتحام حياتي وخصوصيتي، ومتى أصبح رقم الهاتف ملكية «على المشاع» تتناقلها قوائم التسويق، دون سابق معرفة أو طلب أو حتى استئذان، ومَن قرر نيابة عني تحويل أرقامي إلى هدف دائم لحملات التسويق والبيع والشراء؟!

بكل أسف، يبدو أن البيانات الشخصية أصبحت سلعة متداوَلة في سوق عبثي، لا يعرف فيها المستهلك كيف وصلت إلى أيدي العابثينبخصوصيته، لكن أكثر ما يثير السخرية في هذه المكالمات ليس الإلحاح و«الزَّن» المتواصل، وإنما الفجوة المذهلة بين ما يعرضه المتصل، والعالم البائس والواقع المرير الذي يعيش فيه المتلقي!

الملاحظ أن موظفي التسويق يتحدثون بثقة مفرطة وحماسة شديدة، عن شاليه فاخر على البحر مباشرة بمئات الملايين، أو فيلا أو شقة متميزة برقم يحتوي على «سبعة أصفار»، أو سيارة فارهة يتجاوز قسطها الشهري أربعة أضعاف الراتب الهزيل، أو قرض مصرفي سيجعل الأحلام حقيقة.. وكأن المتلقي ينتظر هذه المكالمة بفارغ الصبر ليبدأ حياة الرفاهية التي تأخرت عنه طويلًا!

لعل اللافت في الأمر، أن «المتلقي» دائمًا -كما هي الحال مع غالبية الشعب - يحاول تدبير ثمن وجبة، وإعادة ترتيب الضروريات وأولويات الإنفاق قبل شراء احتياجاته الأساسية، ثم يفكر ألف مرة في كيفية دفع فواتير الكهرباء والمياه والإنترنت والغاز، ومصاريف البيت والمواصلات والدروس والعلاج، والتزامات الشهر الأخرى، حيث يقف عاجزًا أمام عبور الأيام المتبقية حتى موعد الراتب الجديد، دون أن يضطر إلى الاستدانة والسَّلَف!

ربما تبلغ المفارقة ذروتها حين يؤكد المتصل - بكل ثقة وأريحية - أن العرض سارٍ لفترة محدودة ولن يتكرر، وقد تضيع منك الفرصة إلى الأبد.. فأي فرصة تلك التي لا تعرف شيئًا عن ظروف مَن تُعرض عليه، وأي إلحاح ذلك الذي يُحَوِّل الهاتف إلى مصدر دائم للإزعاج والاستفزاز؟!

أخيرًا.. بما أن الإجابة الدائمة للرد على هؤلاء المتطفلين أننا «غير مهتمين» على الإطلاق، فلسنا بحاجة إلى مكالمات عبثية مزعجة، تبيع أحلامًا لا نستطيع شراءها، وبما أن الهاتف الشخصي ليس لوحة إعلانات مجانية، فمن أبسط حقوق المواطن أن يعرف كيف وصلت بياناته إلى هؤلاء المتطفلين؟!

فصل الخطاب:

لا ينبغي لأحد أن يفرض عليك حياة لا تخصك، أو يقتحم خصوصيتك ليبيعك حلمًا لم يخطر ببالك أصلًا.

[email protected]