رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى



أتصور أن أزمة الصحافة والإعلام في مصر أعمق بكثير من تلك الأزمة التي تدور الآن حول تصريح للدكتور ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، بشأن إنشاء كيان يجمع المواقع الإخبارية.
فقد بدأ الكلام بين مؤيد للفكرة ومعارض لها، وبين من يرى في الكيان المقترح إطارًا مؤسسيًا يمكن أن يجمع المواقع ويبحث مشكلاتها، ومن يخشى أن يتحول الأمر إلى كيان موازٍ لنقابة الصحفيين.
والحقيقة أن هذا النقاش، على أهميته، لا يجب أن يبتلع القضية الأكبر.
ضياء رشوان تحدث، وفق ما نُشر، عن كيان للمؤسسات وليس للأفراد، وأوضح أن الهدف هو التعاون في حل المشكلات المؤسسية للمواقع، على غرار غرف تجمع مؤسسات تنتمي إلى صناعة واحدة. وفي المقابل، كان من الطبيعي أن تتوقف نقابة الصحفيين أمام أي صيغة يمكن أن تمس اختصاصاتها أو تتحدث باسم الصحفيين.
كما أن خالد صلاح رأى في الفكرة استجابة لحاجة حقيقية لدى قطاع الصحافة الإلكترونية، خصوصًا مع اتساع عدد المواقع وتنوع أوضاع العاملين فيها.
إذن نحن أمام اجتهادين يمكن مناقشتهما بهدوء.
لكنني أتساءل: هل هذه هي الأزمة الحقيقية للصحافة المصرية؟
هل مشكلتنا الأساسية أن المواقع الإلكترونية لا تملك كيانًا يجمع مؤسساتها؟
أم أن لدينا أزمة أكبر بكثير، تتمثل في أن صحفًا عريقة لها تاريخ طويل واسم ومهنية ومئات العاملين، تعاني من أزمات تهدد قدرتها على الاستمرار؟
هنا يجب أن نتوقف.
الأزمة ليست أزمة مواقع فقط، وليست أزمة نقابة فقط، وليست أزمة كيان جديد. الأزمة أزمة منظومة.
لدينا صحافة ورقية تواجه أعباء اقتصادية متزايدة، ومؤسسات تحتاج إلى إعادة نظر في نموذج إدارتها وتمويلها ومحتواها، وصحافة إلكترونية تحتاج إلى تنظيم مهني واقتصادي واضح، وصحفيون يحتاجون إلى حماية اجتماعية ومهنية حقيقية، وسوق إعلامية تغيرت قواعدها بالكامل بينما ما زالت بعض المؤسسات تتعامل معها بعقلية سنوات مضت.
والأخطر من ذلك كله أن جزءًا من الصحافة بدأ يفقد السؤال الأساسي: لماذا يقرأ الناس الصحيفة؟
ليس المطلوب أن ننتصر في معركة "الورقي ضد الإلكتروني"، ولا أن نضع المؤسسات القديمة في مواجهة المواقع الجديدة.
الصحافة ليست ورقًا.
و ليست موقعًا.
الصحافة هي مهنة.
هي معلومة دقيقة، ومصدر موثوق، وتحقيق، ورأي، ورأي آخر، ومحرر يعرف الفرق بين الخبر والرأي، ورئيس تحرير يعرف أن مهمته ليست مطاردة "الترند"، وإنما صناعة أجندة للقارئ.
الأزمة تبدأ عندما يصبح عدد المشاهدات أهم من قيمة الموضوع، وعندما يتحول السباق إلى نشر الخبر قبل التحقق منه إلى معيار للنجاح، وعندما يصبح الصحفي مجرد شخص يلاحق ما تقوله وسائل التواصل الاجتماعي بدل أن يكون هو من يبحث ويحقق ويكشف ويشرح.
ولذلك فإن حديث رشوان نفسه عن ضرورة الالتزام بالدقة وعدم التضحية بصحة المعلومات من أجل السباق الزمني، يلمس جانبًا من الأزمة الحقيقية.
نحن لا نحتاج فقط إلى تنظيم المواقع.
نحتاج إلى إعادة تنظيم فكرة الصحافة نفسها.
نحتاج إلى أن نسأل: من يدير المؤسسة الصحفية؟ وكيف تدار؟ ومن يضع سياستها التحريرية؟ وكيف نضمن استقلال المحتوى عن الحسابات التجارية؟ وكيف نحافظ على الصحفي داخل المؤسسة؟ وكيف نعيد الاعتبار للتحقيق الصحفي والملف والتحليل والمعلومة؟
نحتاج كذلك إلى مراجعة العلاقة بين المؤسسات الصحفية والجهات المنظمة للمهنة، بحيث لا تتعدد مراكز القرار إلى الدرجة التي يصبح معها الصحفي نفسه غير قادر على معرفة من يملك الاختصاص ومن يتحمل المسئولية.
وأقولها بوضوح: ليس من مصلحة أحد أن تتحول كل مشكلة في الصحافة إلى معركة بين النقابة والحكومة، أو بين الورقي والإلكتروني، أو بين جيل قديم وجيل جديد.
الصحافة أكبر من ذلك.
نقابة الصحفيين بيت المهنة، ومن الطبيعي أن تدافع عن اختصاصاتها وعن أعضائها. والمواقع والمؤسسات الإلكترونية لها مشكلاتها الاقتصادية والمهنية الخاصة، ومن الطبيعي أن تبحث عن إطار مؤسسي يعبر عن مصالحها كمؤسسات. و لابد ايضا من أن توضع معايير دقيقة لانشاء تلك المواقع، بحيث لا تمون قنابل موقوته، التوسع فى تأسيس مواقع ضد أستقرار المهنة.
والدولة من حقها أن تبحث عن تطوير المنظومة الإعلامية.
لكن الأهم أن تجلس هذه الأطراف جميعًا أمام المشكلة الأصلية.
كيف نعيد للصحافة المصرية قدرتها على التأثير؟
كيف نجعل الصحفي قادرًا على أن يعمل ويحصل على أجر يحفظ كرامته، وتأمين يحمي مستقبله، وتدريب يواكب عصره؟
كيف ننقذ المؤسسات التي تحمل تاريخًا صحفيًا لا يجوز أن يضيع؟
كيف نمنح الصحافة الرقمية فرصة للنمو دون أن تتحول إلى سوق مفتوحة لمن يملك أسرع إصبع على الهاتف؟
وكيف نعيد إلى القارئ ثقته بأن ما يقرأه مرّ على عقل صحفي، وليس فقط على خوارزمية؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق أن نتجادل حولها.
أما أن نقضي الأيام في معركة: كيان أم لا كيان؟، بينما توجد مؤسسات صحفية عريقة تعاني، وصحفيون يبحثون عن الأمان المهني، ومحتوى صحفي يحتاج إلى استعادة معاييره، فمعنى ذلك أننا نناقش جزءًا من الأزمة ونترك جسدها كله ينزف.
أزمة الصحافة ليست في غياب كيان جديد فقط، وإنما في غياب رؤية جديدة.
والحل لن يكون بإضافة مؤسسة إلى مؤسسات أخرى، وإنما بإعادة ترتيب البيت الصحفي والإعلامي كله: اختصاصات واضحة، وقرار واضح، ومؤسسات قادرة على الحياة، وصحفي محترم، ومحتوى يستحق أن يقرأه الناس.
فالصحافة لا تسقط عندما تظهر المواقع الإلكترونية...
الصحافة تسقط عندما تفقد السبب الذي يجعل الناس في حاجة إليها.