رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى


الإنسان هو إنسان، سواء كان موظفًا صغيرًا أو كبيرًا.. تلك هي القاعدة التي لابد أن نعيش عليها.
قد تختلف الدرجات الوظيفية، وتتفاوت المسؤوليات، وتتغير المكاتب والمناصب، لكن الإنسان لا تتغير قيمته ببطاقة وظيفية أو كرسي يجلس عليه. الكبير في موقعه إنسان، والصغير في وظيفته إنسان، ولكل منهما كرامته التي لا يجوز أن تكون محل انتقاص.
نحن في حاجة إلى أن نتذكر هذه الحقيقة كل يوم، خاصة عندما نكون فى موقع المسئولية أو نتعامل مع من هم أقل منا في الدرجة الوظيفية. فالقوة الحقيقية ليست في أن يشعر الآخر بأنه ضعيف أمامنا، وإنما في أن يشعر، حتى ونحن نحاسبه، أننا نحترم إنسانيته.
لابد أن يعى السيد المحافظ، ومعالى الوزير، وكل من يتولى موقعًا من مواقع المسؤولية، أنه في النهاية موظف في الدولة، مثل أي موظف آخر، اختلفت الدرجة الوظيفية، وكبرت المسؤولية، لكن تظل الوظيفة وظيفة، وتظل الدولة دولة، ويظل القانون فوق الجميع.
وقد يكون الموظف الذي يقف أمام المسؤول اليوم قد أمضى في الوزارة أو المحافظة سنوات أطول من سنوات المسؤول نفسه في موقعه. وربما يكون قد خدم في المكان قبل أن يأتي هذا المسؤول، وسيظل فيه بعد أن يغادره. لذلك فإن احترام الموظف، أيًا كانت درجته، ليس مجاملة ولا تنازلًا عن هيبة المنصب، وإنما هو احترام لفكرة الدولة نفسها.
نعم، القيادة تحتاج إلى الحزم.
ونعم، المسؤول مطالب بأن تكون له شخصية قوية، وأن يعرف كيف يدير المكان، وكيف يحاسب المقصر، وكيف يفرض الانضباط، وكيف يتخذ القرار في الوقت المناسب.
لكن القوة ليست قسوة، والحزم ليس إهانة، والانضباط لا يعني أن يفقد الإنسان إنسانيته.
هذه هي النقطة التي يجب ألا تغيب عن أي مسؤول.
فنحن في دولة يخضع جميع أبنائها للقانون. للموظف واجبات ومسؤوليات، وعليه أن يؤدي عمله كما ينبغي، وأن يحترم رئيسه، وأن يلتزم بالتعليمات والقواعد المنظمة للعمل.
لكن في المقابل، للمسؤول واجبات أيضًا.
من بينها أن يحترم الموظف الذي يعمل تحت قيادته، وأن يحافظ على كرامته، وأن يدرك أن الخطأ الوظيفي تتم معالجته وفق القانون واللوائح، وليس بالإهانة أو التقليل من شأن الإنسان.
المسؤولية لا تمنح أحدًا حق كسر الناس.
والحزم الحقيقي ليس أن تخيف من أمامك، وإنما أن تجعل الجميع يعرفون أن هناك قانونًا يطبق على الجميع، وأن هناك نظامًا لا يستثني أحدًا، وأن الحساب يكون على قدر الخطأ، لا على قدر المكانة الاجتماعية أو الدرجة الوظيفية.
الموظف البسيط ليس أقل قيمة لأنه يجلس في مكتب صغير.
وعامل النظافة ليس أقل منا  لأنه يرتدي زيًا مختلفًا،بل هو الأهم بيننا.
والعامل الذي يقف على باب مؤسسة أو يحمل أوراقها أو يخدم جمهورها ليس أقل احترامًا من صاحب المكتب الكبير.
الدرجات الوظيفية تنظم العمل، لكنها لا تصنع درجات للإنسانية.
وهذه قاعدة لو فهمناها جيدًا لتغير الكثير من تفاصيل حياتنا اليومية.
المشكلة تبدأ عندما يتصور البعض أن المنصب يمنحه سلطة مطلقة على من هم دونه في السلم الوظيفي، فيتحول الحزم إلى تعالٍ، والانضباط إلى تخويف، والقيادة إلى استعراض للقوة.
وهنا لا نخسر موظفًا فقط، وإنما نخسر شيئًا أكبر: روح المؤسسة.
فالموظف الذي يعمل وهو يشعر أن كرامته مصانة، وأن رئيسه يحاسبه بعدل، وأن الخطأ له عقوبة واضحة، وأن الاجتهاد له تقدير، سيكون أكثر قدرة على العطاء.
أما الموظف الذي يعمل وهو يخشى الإهانة أكثر مما يخشى الخطأ، فلن يصنع مؤسسة ناجحة، وإنما سيصنع موظفًا يبحث فقط عن النجاة.
والدولة الحديثة لا تبنى بالخوف.
تبنى بالقانون، والانضباط، والعدل، والاحترام.
نحن لا نطلب من المسؤول أن يتساهل مع المخطئ، ولا أن يغض الطرف عن الإهمال، ولا أن يترك الأمور بلا حساب.
على العكس تمامًا.
نحن نريد مسؤولًا حازمًا وعادلًا.
شديدًا في تطبيق القانون، رحيمًا في التعامل مع الإنسان.
يعرف متى يقول "لا"، لكنه يعرف أيضًا كيف يقولها دون أن يهين من أمامه.
يعرف كيف يحاسب، دون أن يجرح.
وكيف يفرض الانضباط، دون أن يقلل من شأن البسطاء.
وكيف يحافظ على هيبة المنصب، دون أن يجعل المنصب فوق الإنسان.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مؤسسة أن يختلط فيها احترام المنصب بالخوف من صاحبه.
فالاحترام الحقيقي لا يُنتزع بالصوت العالي، ولا بالعبارات القاسية، ولا بإذلال من هم أقل في الدرجة الوظيفية.
الاحترام الحقيقي يأتي عندما يرى الموظفون في قائدهم عدلًا قبل أن يروا فيه قوة، وإنصافًا قبل أن يروا فيه سلطة.
هيبة المسؤول لا تأتي من قدرته على إهانة من أمامه، وإنما من قدرته على إدارة الجميع بعدل.
ومن المهم أن نتذكر أن المسؤول نفسه سيأتي يوم ويغادر مكتبه.
سيأتي شخص آخر بعده، وربما يجلس على المقعد نفسه، ويجد أمامه الموظفين أنفسهم، والمكاتب نفسها، والملفات نفسها.
ما يبقى ليس الكرسي.
الذي يبقى هو أثر الإنسان.
هل كان هذا المسؤول عادلًا؟
هل حفظ كرامة من عملوا معه؟
هل كان حازمًا دون قسوة؟
هل ترك وراءه مؤسسة أكثر انضباطًا، وأكثر احترامًا للإنسان؟
تلك هي الأسئلة التي تستحق أن تبقى.
ولذلك، فإن رسالتي ليست ضد الحزم، وإنما ضد فهم الحزم بطريقة خاطئة.
فالدولة لا تعمل بالوزير وحده، ولا بالمحافظ وحده، ولا برئيس الهيئة وحده.
الدولة تعمل بكل هؤلاء الذين يقفون في الصفوف المختلفة، من أكبر مسؤول إلى أصغر موظف.
وإذا كان لكل منهم دور، فلكل منهم كرامة.
وفي النهاية، لا أحد فوق القانون.
ولا أحد أقل من أن يُعامل باحترام.
هذا ليس كلامًا للاستهلاك.
إنها ببساطة فكرة الدولة التي نريدها: دولة قوية، منضبطة، حازمة، لكن في الوقت نفسه دولة تعرف أن القوة الحقيقية ليست في أن تجعل الناس يخافون منك، وإنما في أن تجعلهم يحترمونك.
القوة مطلوبة.. والحزم مطلوب.. والانضباط لا غنى عنه.. لكن الإنسانية هي التي تجعل كل ذلك جديرًا بالاحترام.