نتحدث كثيرًا عن أزمات هنا وأخرى هناك.. نناقش الاقتصاد والسياسة وارتفاع الأسعار، ونبحث عن أسباب كل ما يتغير في حياتنا، لكن هناك أزمة لم تعد تحتمل التجاهل، لأنها أصبحت واضحة وضوح الشمس في ظهر شهر أغسطس.. أزمة صنايعية مصر.
أتحدث عن السباك والنجار والكهربائي والميكانيكي والجزمجي والنقاش وغيرهم من أصحاب المهن التي قامت عليها تفاصيل حياتنا اليومية.. هؤلاء الذين كنا نعرفهم قديمًا من خلال الصنعة قبل أن نعرف أسماءهم.
كان الصنايعي زمان يعرف قيمة يده، ويعرف أن رزقه موجود في الصنعة التي تعلمها وأتقنها. كان يدخل بيتك وهو يعرف أن وراءه مسؤولية، وأن ما يفعله اليوم يجب أن يصمد غدًا. لم تكن المسألة مجرد «شغلانة» ينتهي منها ويغادر، وإنما كانت سمعة وصنعة وضميرًا.
أما اليوم، فقد أصبحنا نعيش أزمة مختلفة.
بعض الصنايعية أداروا ظهورهم للقمة العيش نفسها.. أو بالأدق، أداروا ظهورهم للصنعة التي منحهم الله إياها، وأصبح بعضهم يرى أن هناك طرقًا أسهل للحصول على المال.
هذا الذي كان سباكًا أو كهربائيًا أو ميكانيكيًا، قد يشتري توك توك ويؤجره، أو يستقطب طفلًا يعمل عليه، وفي آخر اليوم يأتيه بالإيراد. وآخر يعمل ساعات قليلة، معتمدًا على ارتفاع أجرة يده، فلا يرد على الهاتف، ولا يهتم كثيرًا إن كان العطل سيعطل حياة أسرة كاملة أم لا.
وإذا حالفك الحظ وعثرت عليه، تبدأ حكاية أخرى..
بدلًا من أن يصلح القطعة، يستسهل استبدالها. لا وقت للإصلاح، ولا رغبة في بذل جهد إضافي.. «نغيّرها وخلاص».. وإذا كان الأمر لا يعجبك، فهناك دائمًا جملة جاهزة: «إذا كان عجبك».
المشكلة ليست في قطعة الغيار وحدها، وإنما في فكرة بدأت تتسلل إلى المهنة نفسها: لماذا أصلح وأنا أستطيع أن أغير؟ ولماذا أبذل ساعة في إصلاح شيء إذا كنت أستطيع أن أنهيه في عشر دقائق وأحصل على أجر أكبر؟
وهنا نخسر شيئًا أكبر من «صنايعي شاطر»..
نخسر ثقافة الصنعة.
صنايعية مصر زمان كانوا يعرفون أن أيديهم رأس مالهم الحقيقي. كان الجزمجي يصلح الحذاء فلا تعود إليه بعد يومين لتقول له إن ما أصلحه قد تلف. وكان النجار يتعامل مع الخشب وكأنه يعرفه، لا كأنه مجرد قطعة يجب التخلص منها. وكان الكهربائي والسباك يعرفان أن إصلاح العطل يعني إنهاء المشكلة، وليس تأجيلها حتى يغادرا المكان.
أما اليوم، فكثيرًا ما يحدث العكس.
يغادر السباك أو الكهربائي المنزل، وبعد ساعات يعود العطل وكأنه كان ينتظر خروجه! وحين تتصل به، قد لا يرد أصلًا.. وإذا رد، تبدأ رحلة البحث عن شماعة يعلق عليها المشكلة: «العيب مش مني.. العيب في المواسير»، أو «الكهرباء عندكم فيها مشكلة»، أو «أصل الزبون عمل كذا»!
دائمًا هناك متهم آخر.. إلا الصنعة.
وبالطبع، ليس كل الصنايعية كذلك. ما زال في مصر صنايعية محترمون، أصحاب ضمير، يعرفون قيمة ما يفعلون، ويعتزون بأيديهم وبالمهنة التي تعلموها. لكن الأزمة أن هؤلاء أصبحوا أقل ظهورًا في حياتنا اليومية، وأصبح العثور عليهم يحتاج أحيانًا إلى توصية من صديق، أو سؤال الجيران، أو رقم يحتفظ به أحدهم منذ سنوات.
المسألة إذن ليست مجرد «صنايعي وحش».
إنها أزمة اجتماعية لها جذور أعمق.
ماذا حدث لفكرة أن الإنسان يمكن أن يعيش كريمًا من صنعته؟ لماذا لم تعد المهنة مصدر فخر كما كانت؟ ولماذا أصبح بعض الشباب يرى في التوك توك أو أي مصدر دخل سريع طريقًا أسهل من أن يتعلم مهنة تحتاج سنوات حتى يتقنها؟
ربما لأن المجتمع نفسه لم يعد يمنح الصنعة ما تستحقه من احترام.
نحن نحتفي بالشهادة أكثر مما نحتفي بالمهارة، وننظر أحيانًا إلى صاحب المهنة اليدوية باعتباره أقل شأنًا من صاحب الوظيفة المكتبية، رغم أن هذا «الصنايعي» هو الذي نبحث عنه عندما تتعطل الكهرباء، أو تنفجر ماسورة، أو يتوقف محرك السيارة، أو ينكسر باب، أو نحتاج إلى إصلاح حذاء نحبه ولا نريد التخلص منه.
نحتاج إلى أن نعيد الاعتبار إلى العمل المهني.. لا بالكلام، وإنما بالتدريب والتعليم والحماية الاجتماعية، وبأن يشعر الشاب أن تعلم الصنعة يمكن أن يمنحه حياة كريمة، وأن إتقانها يمكن أن يجعله صاحب قيمة ومكانة.
وفي المقابل، يحتاج الصنايعي نفسه إلى أن يتذكر أن المهنة ليست مجرد أجرة يحصل عليها في نهاية اليوم.
المهنة أمانة.. واليد التي تتقن الصنعة يمكن أن تطعم صاحبها وأسرته عمرًا كاملًا.
كان أبي يقول إن «الصنعة بتسند صاحبها».. وربما كانت هذه الجملة تختصر فلسفة كاملة في الحياة.
فالصنعة لا تسند صاحبها فقط.. إنها تسند المجتمع كله.
ولذلك فإن أزمة صنايعية مصر ليست أزمة سباك أو كهربائي أو نجار لا يرد على الهاتف..
إنها أزمة مجتمع بدأ يفقد احترامه للصنعة وللإتقان وللعمل اليدوي.
وإذا فقدنا الصنايعي الذي يعرف قيمة يده، فلن نخسر مجرد شخص يصلح لنا عطلًا..
سنخسر جزءًا من مصر التي كانت تعرف أن لقمة العيش لا تأتي فقط من الوظيفة.. وإنما من يد تتعب، وعقل يتعلم، وصنعة يتقنها صاحبها ويحترمها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
