رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

قد تعطي الإنسان ما يحتاجه، ثم تأخذ منه في اللحظة نفسها شيئًا أهم.. كرامته.
مع اقتراب العام الدراسي الجديد، تنتشر كعادتنا الجميلة مبادرات توزيع الكتب والكراسات والشنط والأدوات المدرسية على الأطفال والأسر التي تحتاج إلى بعض المساندة.
فكرة جميلة.. ومشهد يبعث على الأمل، ويؤكد أن في هذا المجتمع من لا يزال يشعر بغيره، ويمد يده لمساعدة أسرة ربما أثقلتها أعباء الحياة، أو أبًا يحاول أن يوفر لأبنائه احتياجات المدرسة وسط ارتفاع تكاليف المعيشة.
لكن هناك شيئًا واحدًا يمكن أن يفسد جمال هذه المبادرات كلها..
الكلمة.
أن نضع على هذا الخير عنوانًا يقول: دعم الطلاب غير القادرين.
لماذا؟
لماذا نحتاج أصلًا إلى أن نقول لطفل يقف أمامنا ويحمل حقيبة جديدة إن هذه الحقيبة وصلت إليه لأنه "غير قادر"؟
هل نحن نساعده بالفعل.. أم نضع على كتفه، إلى جوار الحقيبة، شعورًا بأنه أقل من زملائه؟
الطفل لا يحتاج فقط إلى كراسة وشنطة وقلم.
هو يحتاج قبل كل شيء إلى أن يحافظ على شعوره بأنه مثل الآخرين.. له نفس الحق في الفرح، ونفس الحق في أن يدخل مدرسته رافع الرأس، وأن يحمل حقيبته الجديدة دون أن يسأله أحد: "أنت من غير القادرين؟"
الخير الحقيقي لا يذكّر الإنسان بسبب حاجته إليه.
نحن بحاجة إلى مراجعة المفردات التي نستخدمها في العمل العام، وفي المبادرات المجتمعية، وفي المؤسسات التي تقدم المساندة.
يمكن أن نقول: "مستلزمات مدرسية للطلاب"، أو "مبادرة بداية عام دراسي أفضل"، أو "هدية العودة إلى المدرسة"، أو أي مسمى آخر يحافظ على الهدف الجميل دون أن يضع الطفل في خانة الفقر أمام زملائه.
المهم ألا يتحول الدعم إلى بطاقة تعريف تقول لصاحبها: أنت محتاج.
فبعض الكلمات تظل في ذاكرة الطفل سنوات طويلة.
قد ينسى لون الحقيبة.. وقد ينسى من أعطاه الكراسة.. لكنه قد لا ينسى أبدًا اللحظة التي شعر فيها أن الآخرين ينظرون إليه باعتباره مختلفًا أو أقل منهم.
وهنا لا أتحدث فقط عن الأطفال.
المشكلة أكبر من ذلك.
نحن أحيانًا نريد أن نساند الإنسان، فنبدأ أولًا بتعريفه بما ينقصه.
نتحدث عن الفقر بطريقة تشعر الفقير بأنه متهم بفقره.
ونتحدث عن المرض بطريقة تجعل المريض أسيرًا لمرضه.
ونتحدث عن أصحاب الظروف الخاصة وكأن الظرف هو هويتهم الوحيدة.
وحتى عندما نتحدث عن الأشخاص الذين لديهم إعاقة، كثيرًا ما نبحث عن مصطلح يجعلنا نشعر أننا اخترنا التعبير الأكثر لطفًا، بينما القضية في الحقيقة ليست في المصطلح وحده.
القضية في النظرة.
فالإنسان الذي يستخدم كرسيًا متحركًا ليس "كرسيًا متحركًا".
والإنسان الذي فقد حاسة أو جزءًا من قدرته ليس "حالة".
والطفل الذي تحتاج أسرته إلى مساعدة في بداية العام الدراسي ليس "غير قادر".
كل هؤلاء بشر أولًا.
لهم أسماء وأحلام ومواهب ونجاحات وحكايات، ولا يجوز أن تختصرهم ظروفهم في صفة واحدة.
حتى عبارة "ذوو الهمم"، التي جاءت في سياق إيجابي لتكريم أصحاب القدرات المختلفة، قد تتحول هي الأخرى إلى قيد إذا أصبحنا نضعها أمام الإنسان في كل مناسبة، وكأننا نذكره دائمًا بأنه ينتمي إلى فئة مختلفة عن بقية البشر.
المطلوب ليس أن نتوقف عن استخدام المصطلحات الإنسانية، وإنما أن نتوقف عن تحويلها إلى وصم اجتماعي.
هناك فرق كبير بين أن تقول للإنسان: "نحن معك"، وبين أن تقول له: "نحن نساعدك لأنك أقل قدرة منا."
الأولى تمنحه قوة.
والثانية قد تكسر شيئًا بداخله.
نحن بحاجة إلى أن نتعلم فن المساعدة.
ليس كل من يحتاج إلى المساعدة يريد أن يعرف الجميع أنه يحتاج إليها.
وليس كل من نقف بجواره يريد أن نقف فوق رأسه.
هناك من يحتاج إلى يد تمتد إليه دون أن يشعر أحد بأنه مدين لها.
وهناك من يحتاج إلى فرصة، لا إلى صدقة.
وهناك من يحتاج إلى إزالة عقبة من طريقه، لا إلى أن نذكره كل يوم بأنه كان عاجزًا عن تجاوزها وحده.
الكرامة ليست رفاهية في العمل الاجتماعي.. الكرامة جزء من المساعدة نفسها.
ولذلك، ربما نحتاج قبل بداية كل عام دراسي إلى أن نسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا:
ماذا لو كان ابني أو ابنتي هو الذي يقف في هذا الطابور؟
هل سأقبل أن يسمعه أحد وهو يقول عنه: "هذا من الطلاب غير القادرين"؟
هل سأقبل أن يحمل ابني حقيبة جميلة، لكنه يشعر في داخله أنه حصل عليها لأنه أقل من زملائه؟
غالبًا لا.
إذن، فلنقدم الخير بالطريقة التي نحب أن يقدم بها إلينا.
دعوا الطفل يذهب إلى مدرسته بحقيبته الجديدة، سعيدًا بها، دون أن يعرف أحد كيف وصلت إليه.
دعوا الخير يصل إلى صاحبه في هدوء.
فالصدقة التي تحفظ كرامة الإنسان أجمل من صدقة تملأ المكان بالصور والشعارات.
ولعلنا نحتاج أيضًا إلى أن نراجع ثقافة التصوير أثناء تقديم المساعدات.
ليس كل من حصل على مساعدة يريد أن تتحول صورته إلى إعلان عن حاجته.
وليس من حقنا أن نشتري لحظة فرح إنسان بصورة ننشرها أمام الناس.
أحيانًا يكون أرقى أنواع الخير هو الخير الذي لا يعرف صاحبه من أين جاء.
وأجمل مساعدة هي التي تجعل الإنسان يقول: شكرًا.. لا أن تجعله يشعر بأنه مطالب بالامتنان طوال الوقت.
في النهاية..
نحن لا نحتاج إلى اختراع كلمات براقة بقدر ما نحتاج إلى تغيير طريقة تفكيرنا.
لا تجعلوا الخير يضع علامة على جبين من نساعده.
ساعدوا الطفل، لكن لا تقولوا له إنه فقير.
ساندوا الأسرة، لكن لا تعرضوا حاجتها على الناس.
افتحوا الطريق أمام من لديه إعاقة، لكن لا تجعلوا إعاقته عنوان حياته.
أعطوا الإنسان حقه، لكن لا تمنحوه إياه بطريقة تجعله يشعر أنه أقل من غيره.
فالبشر قد يتحملون قسوة الظروف..
لكنهم لا ينسون بسهولة قسوة النظرة.
والخير الحقيقي ليس فقط أن تعطي إنسانًا ما يحتاجه..
بل أن تعطيه إياه دون أن تأخذ منه شيئًا في المقابل..
دون أن تأخذ منه كرامته.
دون أن تأخذ منه كبرياءه.
ودون أن تجعله يشعر، ولو للحظة واحدة، أنه أقل من أي إنسان آخر.