أوراق مسافرة
طرحت في مقالي الماضي الحالة الإنسانية والنفسية القاسية التي تمر بها السيدة المطلقة " ولا اقصد هنا بالطبع المفتريات من النسويات"، فعندما يُكتب على عقد الزواج "انتهى"، لا ينتهي الأمر عند توقيع الأوراق، بل تبدأ عندئذ حرب أخرى أطول وأقسى، تخوضها المرأة وحدها، حربها ليست مع طليقها فقط، بل مع مجتمع بأكمله قرر أن يضعها في قفص الاتهام لأنه يرى الطلاق وصمة لا تُمحى، فلا تزال كلمة "مطلقة" تُنطق وكأنها تهمة.
تخرج المرأة من تجربة فاشلة مثقلة بالجراح، وفي عنقها مسؤولية أطفال، وفي قلبها رغبة في بدء حياة جديدة، لكنها تُصطدم بجدار سميك من الأحكام المسبقة، بدلًا من أن تجد يدًا تمتد لها بالمساعدة، تجد عيونًا تفتش في ماضيها، وألسنة تبحث عن ثغرة في سمعتها، يصبح عليها أن تثبت كل يوم، وفي كل موقف، أنها "شريفة"، وأن فشل زيجتها لا يعني أنها امرأة "سهلة"، وكأن الكرامة صارت بحاجة إلى شهادة حسن سير وسلوك تُجدد يوميًا، فهي دائماً فريسة في عيون البعض من ذكور ولن أقول الرجال، يرون في وحدتها فرصة، وفي حزنها ضعفًا يمكن استغلاله.
تتحول كلمة "كيف حالك؟" إلى محاولة اقتراب، وعبارة "أنا موجود أساعدك" إلى باب للابتزاز العاطفي، وفيما هي تبحث عن أمان، يُقدم لها استدراج، فيما هي تبحث عن سند، يُعرض عليها دفع ثمن، إنها تدفع ضريبة إضافية، أن تحمي نفسها مرتين، مرة من الوجع، ومرة من الذين يتصيدونه، ومعركة ثالثة مع كسب لقمة العيش بكرامة حين تضطر الكثيرات للنزول إلى سوق العمل لإعالة أبنائهن، وهنا تبدأ جبهة حرب جديدة، بيئة العمل التي يفترض أنها مكان إنتاج، تتحول لساحة تحرشات مقنعة ومزاح ثقيل ونظرات فاحصة، مطلوب منها أن تكون مجتهدة فوق العادة حتى لا تُتهم بالتقصير لأنها صارت ناقصة في نظرهم بلا رجل، وأن تكون محترفة جداً في العمل حتى لا تُتهم بالإغراء، وصارمة حتى لا تُتهم بالضعف، إنها معادلة مستحيلة، لكنها تخوضها لأن البديل هو أن تجلس في بيتها و يجوع أطفالها.
يضاف إلى ما سبق حرب رابعة هي حرب المحاكم وأوراق الحضانة، وأكبر المعارك تلك التي تُخاض في أروقة المحاكم لانتزاع حق بديهي، نفقة، حضانة، رؤية، حقوق يكفلها القانون، لكن الُعرف والمماطلة يجعلها أشبه بسراب، تقف المرأة وحدها في مواجهة بيروقراطية باردة ورجل كان شريكها بالأمس، ليتحول اليوم إلى خصم في قضية اسمها "الأبناء"، مشاعر تحت الرماد خلف كل هذه المعارك، هناك امرأة تبكي في السر حتى لا يرى أبناؤها دموعها، امرأة تشتاق إلى أن تُفهم لا أن تُحاكم، تشعر بالغضب لأنها عوقبت على شجاعتها في إنهاء علاقة مؤذية، وتشعر بالخوف من الغد، لكنها تخفي خوفها بابتسامة أمام أطفالها لأنها تعلم أن انهيارها يعني انهيارهم، لذا تحاول أن تثبت للجميع أنها قوية، غير مكسورة رغم الانهيار الداخلي، ليست فاشلة، فيما الفشل الحقيقي هو مجتمع يجلد هذه الناجية بدل أن يصفق لها.
مجتمعنا الذي يتشدق بالتحضر والمدنية، لا يزال ينظر للمطلقة التي
اختارت أن تحفظ كرامتها نظرة دونية، فيما تحارب هي كأنثى شريفة، كأم، كمعيلة مطالبة أن تبني بيتًا جديداً من لا شيء، تحارب كي تربي جيلاً رغم كل شيء، لذا " وهذا ليس تبريراً على الإطلاق بل رصد واقعي" ترتكب بعض المطلقات جريمة عقاب جماعي ضد أولادها لأنهم صاروا عبئها وحدها فيما تخلى الاب وعاش حياته، وتعتقد أنها بإيذاء أطفالها ستحرق قلبه وتنتقم مما فعله بها، ثم تدرك مؤخراً أنها انتقمت من نفسها ومن فلذاتها لتكمل باقي حياتها في ندم أو خلف قضبان السجن.
لذا أوجه صرختى للمجتمع، لقد آن الأوان أن نكف عن النظر إلي المطلقة كـ"كوباء اجتماعي" أو "قضية شرف" يتم مطاردتها حتى الموت، آن الأوان أن يراها الجميع كما هي، مواطنة كاملة الحقوق، وإنسانة تستحق الاحترام، ليس مطلوباً أبداً رحمة مشروطة ولا شفقة مهينة، فإما أن نكون مجتمعًا سندًا لها، أو فلنصمت، لأن الصمت في هذه الحالة أرحم، فرغم ما في المجتمع من موبقات للعلاقات خارج أطر الزواج وغير المشروعة، إلا أنه راغب غالباً في وصم المطلقة بالعار وأنها السبب في خراب البيت حتى لو كانت هي الضحية كاملة.
المجتمع شريك أساسي في إنقاذ المطلقة من الضياع ومن أي عنف قد تمارسه ضد أطفالها كعقاب جماعي منها ضد مطلقها وأسرتها التي كانت؟ المجتمع شريك في إنقاذها أو في غرقها، عليها يكف شماتة ونظرات وكلمات كالسم، يبحث كيف يساعدها من خلال فرصة عمل شريفة، استيعابها نفسياً في مكان العمل، مساعدتها في مسئولية الأولاد، تقديم خدمات ميسرة لها، حضانات مدعمة لأطفالها، استشارات نفسية وقانونية مجانية، مساعدتها في الحصول على حقها الشرعي من مطلقها وعلى نفقة أولادها كاملة، فكثير من الرجال للأسف يرتكبون أيضا عقاب جماعي ضد أسرتهم التي كانت، يكيد الرجل لمطلقته وأطفاله وكأنه طلق أطفاله أيضا، ويستخدم حرمانها من النفقة نوعاً من الابتزاز، إما لإجبارها على العودة إليه كارهة، أو التنازل عن حضانة أطفالها فقط ليحرمها منهم ويحرق قلبها عليهم، ويجبرها على دخول المحاكم للحصول على حقوقها وحقوق أطفالها، وما أدراكم وما المحاكم وطول حبالها والالتفاف على القانون الذي يحدث داخل أروقتها من الرجال ومحاميهم لتضييع حق الزوجة والأولاد أو انتقاصها على أقل تقدير.
حقاً وزارة العدل اصدرت قراراً بوقف الخدمات الحكومية والمنع من السفر للأباء الممتنعين عن النفقة لحماية حقوق الزوجة والأبناء، لكن عدم وجود بنك معلومات يضم هذه النوعية من الرجال المتهربين من النفقة بنك متصل بكل اجهزة المصالح والخدمات الحكومية لهو أمر يذهب بهذا القرار أدراج الرياح، وليس الإمتناع عن نفقة المطلقة والأطفال هي الكارثة الوحيدة التي تطحن المُطلقة، بل هناك مشاكل أخرى قد تطاردها ، منها إنكار مطلقها مثلا النسب للأطفال، التشهير بسمعتها، حيث يقوم بعض الرجال برفع قضايا إنكار نسب للتهرب من الإنفاق والانتقام من مطلقته، كما تقع ضدها جرائم أخرى مثل خطف مطلقها للأطفال والسفر بهم ، أو التلاعب بالقانون لمنعها من الرؤية أو استخدم ثغرة قانونية لإسقاط حضانتها لأطفالها، وغيرها من الألاعيب بالقانون والنفاذ من ثغراته بمساعدة فئة من المحامين منعدمي الضمير.
يضاف لكل ما سبق أيضا استخدام الأطفال كسلاح ضد الأم من خلال عمليات الشحن النفسي السلبي وتشويه صورتها ، للأسف الأطفال هنا يتعلمون الكراهية والكذب لإرضاء الأب الذي يشتري كراهيتهم لأمهم بمال وهدايا، ويفقدون الأمان النفسي، ويصابون
بالقلق والاكتئاب واضطراب شخصية معادية للمجتمع.
جانب كبير مما سردته عن الأم بعد الطلاق خاصة فيما يتعلق بالحقوق وعلاقتها مع اطفالها أنما أسقط بعضاً منه على الأمهات خاصة فيما يتعلق باستخدامها للأطفال كسلاح أو رأس حربة ضد من كان زوجها ووالد لأطفالها، فهي تشوه صورته أمامهم، تحرمه من رؤيتهم، وتكيد له، وهو ما ينعكس سلباً أيضا على الأطفال، ويكون عقابها جماعي للزوج السابق وللأولاد.
ومن هنا اوجه ندائي بل صرختي إلى كل الآباء والأمهات بعد الطلاق"أولادكم ليسوا سلاحاً، أولادكم أمانة"، الزواج ينتهي، لكن الأبوة والأمومة لا تنتهي أبداً، أوقفوا الحرب، لا تستخدموا أولادكم "رأس حربة" للكيد والانتقام، إذا كانت "لمتكم" ضاعت وفقدت دفئها، فلا تضيعوا أطفالكم، لا تؤذوهم نفسياً أو جسدياً، لا تربوهم على الخوف والقلق والعيش بوجهين كل وجه لديهم يحاول أن يراضي طرفاً منكم، الطلاق لا يعني الانتقام ولا يعني توريث الأطفال الكراهية، لن ينسى الطفل أنه تم استخدامة كوسيلة ضغط وسلاح ضد الطرف الأخر، اتقوا الله في أنفسكم وأولادكم، رعيتكم، اذكروا الفضل بينكم، ولا تضيعوا رعيتكم، كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول.
فكرية أحمد
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
