رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

 

 

اهتزت الوجدان، انخلعت القلوب، صُدم الرأي العام لجريمة الصيدلانية في قرية ميت عنتر بالدقهلية التي قتلت طفلها-10 سنوات-  بالمقص لتحرق قلب مطلقها عليه وفقاً لما تداولته وسائل الإعلام، إنها جريمة ضد فطرة الأمومة الطبيعية ولا يبررها شعور الأم المطلقة بالكسر أو القهر والغضب، ولا يبررها  أبداً رغبتها المذمومة في حرق قلب مطلقها على الولد وكأنها نزعت قلبها كأم ووضعت مكانه قلب امرأة متوحشة دموية تنهش جسد صغير وتزهق روحة الطاهرة لتكيد وتنتقم من "ذكر" غادر فراشها وهز عرش ثقتها في أنوثتها.

 يغضب الرأي العام أكثر عندما يكون مرتكب الجريمة مثقف، متعلم أو ذو مركز، ولا ألوم كثيراً هذا فمن المفترض أن العلم يخلق الوعي ويحمي الأخلاق ويمنح الإنسان ثباتاً انفعاليا أكثر ورؤيا أبعد لأثار أفعاله، ولكن في تصوري الشخصي أن الجريمة تبقى جريمة، فلن يفرق لدى الطفل الضحية أو أي ضحية أن قاتله دكتور أو جامع قمامة، فالدمعة واحدة، والكسرة والألم واحد والروح التي تزهق واحدة، العدل لا يلتفت لشهادة ولا لمنصب ولا لبنك، فلا مزيد من جلد المجتمع لمجرم متعلم ولا شفقة لمجرم جاهل، ولا العكس أيضا يصح.   

من المرعب في بلدنا أن الطلاق في كثير من الأحوال يتحول إلى جريمة عقاب جماعي لكل أفراد الأسرة التي كانت يوماً تحت سقف واحد تجمعهم لقمة عيش وضحكة ولمة دفء، فإذا بالطلاق يفصم عرى كل هذا أي كانت مسبباته والتي لا أريد الخوض فيها لتعددها، المهم أن النتيجة هي ورقة طلاق تعلن لهذه الأسرة أنها تفرقت ولن تعود معاً مجدداً، ولن يجد الأطفال تلك الرعاية المشتركة بين أب وأم بل سيجدون صراعاً أشبه بصراع "الديكة" الذي يبدأ بـ"نتف الريش" والتعرية والفضح وقد ينتهى بالدم، صفحات الحوادث على مر السنين مفعمة بجرائم الآباء والأمهات في حق الأطفال، حيث يتخذ أحد الأطراف من الأولاد رأس حربة لتسديد الطعنات للطرف الثاني والكيد له وحرق قلبه، وكأن هؤلاء الأطفال ليسوا منه.

ويحضرني على سبيل المثال لا الحصر قضية المنيا، عندما قامت فيها الأم بإلقاء طفليها في ترعة البحر اليوسفي لتنتقم من مطلقها، قضية مطروح، عندما أخذ الأب المطلق أطفالهم الثلاثة و حول البيت لـ "سلخانة تعذيب" لهم،  كسر ذراع بنته 3 سنوات وخلف لديها عاهة مستديمة، سكب ماء مغلي على ظهر ابنه 8 سنوات وشوه جسمه، وعذب بنته 7 سنوات مع حلق شعرها لينتقم من أمهم، وهذه الأم تهاني التي صورت نفسها وهي تعذب طفلها ونشرت الفيديو وهي "تقول طلقني وراح اتجوز واحدة تانية وسايبلي ابنه يطلع عيني".

ألاف الجرائم يرتكبها الأب أو الأم ضد الأطفال بعد الطلاق بعضها يتم كشفه ويصل للشرطة، وبعضها يتم في الخفاء ولا يصل للأسماع ، أبسط هذه الجرائم ترك الأطفال في الشارع ليضيعوا رغم كونها جريمة لا تقل كثيراً عن القتل، لأنها تقتل نفسية الطفل، تجعله يفقد الأمان ويصاب بالاكتئاب واضطرابات الشخصية، ولعلى سأركز هنا على الأم التي تتحول لمجرمة، ترتكب في حق أولادها أبشع الجرائم، أركز على الأم لأنها هي من تحتضن أطفالها حتى ينتهي 

 سن الحضانة، أي المسئولة عنهم في اخطر مرحلة حياة بعد الطلاق، كما أن الفطرة الإنسانية تقول أن الأم التي حملت، أرضعت، ربت وسهرت هي الأكثر ارتباطاً بالطفل في مراحلة المبكرة، أكثر التصاقاً، أكثر شعوراً بألمه وحرصاً على سلامته، ولا ينفي هذا بالطبع مشاعر الأب، ولكن مشاعر الأم مختلفة بالفطرة، لذا علينا أن نبحث لماذا تتحول الأم الحنون الرؤوم إلى مجرمة، نبحث الأسباب لعلاجها وللحيلولة قدر الإمكان دون تكرار وقوعها وبما لا يبرر فعلها، ودائما الوقاية أفضل من العلاج، منع الجريمة هو المطلوب قبل التحدث عن تشديد العقاب على الجريمة نفسها..

الأم التي تحمل لقب مطلقة مهما حاولت التظاهر بالقوة وأن هذا الطلاق كان برغبتها للخلاص من تلال مشاكل بينها وبين من كان زوجها، فهي للأسف تصحو صبيحة اليوم التالي لطلاقها لتجد كلمة مطلقة  تخبط في صدرها، شعور بالهزيمة يمزقها، فراغ مريع في حياتها، رحل رجل اختار يمشي، أو هي من أعطته الأسباب ليمشي، سواء خانها، تزوج عليها ، بخل عليها أو كانت الأسباب من عندها، في كل الأحوال هي تقف أمام نفسها وتسأل، ألم أكن كافيه له لأعيش سعيدة وأسعده، هل  العيب في؟، هنا تأتي مرحلة  جلد الذات، والغضب، والفراغ الذي يصرخ مع  حزن ليس له حدود، حزن على عمرها الذي وهبته للزوج، حزن على البيت اللي خرب وتفرق، وعلى الحلم الذي مات، ومع مشاعرها النفسية الموجعة تبدأ في مواجهة وحدتها الاجتماعية، تجد فجأة  الكل يتخلى عنها، الدائرة تنفض من حولها، من كانوا أصحاب الأسرة اصبحوا أصحابه هو فقط ورحلوا عنها، دعوات الأسر والأصدقاء لها قلت، والزيارات قلت، أصبح كل الكلام الذي يطاردها: "ربنا يعوضك".

تشعر المطلقة خاصة في المجتمعات المنغلقة من القرى والمدن الصغيرة والأحياء الشعبية بأنها منبوذة، كأن الطلاق عدوى، نظرة الناس تقتلها، والأراء الظالمة تجلدها "أكيد هي السبب" ، تبتعد عنها صديقاتها المتزوجات خشية على أزواجهن منها، فتغلق على نفسها، تتحول وحدتها إلى سجن،  يكبر جرحها ولا تستطيع أن تلمسه لتداويه وحدها، ولا يرى أحد جرحها، وجع نفسي رهيب يحتويها يشعرها بالعجز ليس فقط عن مواجهة المجتمع وأسئلته، بل حتى عن مواجهة نفسها.

 وهي مطالبة في نفس الوقت أن تبقى قوية لأجل الأولاد، فيبدأ حزنها في التسرب منها لتنفسه في أولادها من دون قصد، صوتها يبدأ يعلو عليهم، تصرخ، يتطور الأمر إلى الضرب ، العنف الذي بداخلها يتحول إليهم، ليس لأنها أم سيئة، بل هي امرأة مكسورة وترى أن غضبها الذي تنفسه على أولادها  بأسلوب خاطئ ومرفوض هو تعبير عن صوته وجعها " انتبهوا أنا موجوعة! أنا أنهار!، هي في هذا الوقت تكره نفسها أكتر مع ممارسة العنف ضد أطفالها، تجلد نفسها، تشعر بالذنب يأكلها، بجانب شعورها بأنوثتها اللي تكسرت وإحساس إنها "مرفوضه" فيا هو أكمل حياته، تزوج،  نسي، وهي واقفة في منتصف الطريق تسأل نفسها: وأنا؟ جمالي راح؟ قيمتي راحت؟ أنوثتي التي كانت سلاحي صارت نقطة ضعف توجعني.

رصدي لمشاعر المطلقة أبداً ليس مبرراً على الإطلاق لممارسة الأم أي نوع من العنف ضد الأطفال الذين ليس لهم أي ذنب في الطلاق أو خلافات الأبوين، بل هم الضحية رقم اثنين في الطلاق، إذا كان أحد الطرفين من أب أو أم هو الضحية الأولى لظلم الطرف الأخر، أنا فقط أرصد وأشرح سبب المرض أضع مشرط الكلمات في عمقه ، أناقش سبب العنف الذي يتحول إلى جريمة، العنف هنا مع الأولاد بمثابة صرخة من الأم المكسورة المنهزمة، لكنها تغفل في دراما مشاعرها أن عنفها هذا  يكسر أولادها ويكسرها هي أيضاً أكثر، وقد يحولها في لحظة إلى قاتلة في جريمة يهتز لها كيان كل الأسر وكل المجتمع. 

كيف يمكن للمطلقة أن تتجاوز كسرتها؟، كل مشاعر الوجع؟، تستعيد نفسها؟، تضبط الإيقاع الفطري في التعامل مع أطفالها دون تحويلهم إلى رأس حربة للانتقام من مطلقها؟، الروشتة كما يطرحها علماء النفس والاجتماع وهي ليست مجرد تنظير بل تطبيق عملي ناجح لتجاوز تلك المرحلة الصعبة إلى مرحلة التعافي، على المطلقة أن تقنع نفسها أولاً أن أنوثتها لم تهزم، وان من تركها - إذا كانت تشعر بالظلم -هو الخاسر، أن تقنع نفسها أن قيمتها ليست متعلقة أبدأ برجل.

 إذا شعرت بحقد داخل صدرها، رغبتها في إيذاء نفسها أو أطفالها عليها فوراً أن تأخذ منهم مسافة آمنة، تبتعد عنهم قليلاً حتى لو تغادر المنزل نصف ساعة في هواء طلق لتخلو مع نفسها، تزور صديقة مقربة، أحد أفراد عائلتها ممن تثق بهم وتفتح قلبها، عليها أن تدرك أنها لا يجب أن تبقى قوية 24 ساعة،  من حقها أن تبكي، تتكلم، تكتب رسائل غضبها وتتخيل أنها توجهها لمطلقها، لكل من ظلموها واعتبروها السبب في الطلاق ثم تمزق الرسائل، إنه أسلوب علاج نفسي مريح جداً لتفريغ شحنات الألم والغضب، لأن الكبت يتحول لانفجار. 

جسمك أيتها المطلقة هو بيتك الجديد، يجب أن تخلدي للنوم ساعات كافية، تناولي طعامك المعتاد بشكل صحي، أخرجي للسير في الهواء الطلق ولو نصف ساعة يوميا وحدك أو مع رفقة ترتاحين لها، عندما يتوقف جسمك عن الرفض لفكرة الطلاق ومغادرة زوجك لفراشك، حالتك النفسية ستبدأ في الهدوء والتوقف عن الرفض والدراما، عودي لـ "أنا"، أي لذاتك، ابحثي عن الأشياء التي كنت تحبينها قبل الزواج وتوقفتِ عنها لمشاغل البيت، رسم، شغل، موسيقى، كورس، أي هواية، ابدئي حتى بـ 10 دقائق في اليوم، ثقتك في نفسك تعود مع  الإنجازات الصغيرة، ابدأي في بناء أمان مادي ومعنوي لنفسك باستقلالية، شغل، دخل، حتى لو بسيط، المال يعني حرية القرار، والقرار يعني كرامة، أعيدي ترتيب أوراق حياتك بهدوء وثقة في نفسك أنك ستتجاوزين مرحلة فراغ مشاعرك، عشرات الألاف من المطلقات حققن نجاحات عملية هائلة في حياتهن، وكأن العمل والنجاح هو التعويض الأقدر لفقدان شريك الحياة.

اصنعي لنفسك دائرة جديدة في الحياة تبتعدي بها عن الدائرة القديمة التي كان زوجك فيها، حتى لا تعيشي مشاعر الحزن على الأماكن والأصدقاء الذين فارقوك وفارقتهم بالطلاق، ابحثي عن سيدات مثلك، مجموعات دعم، نادي إذا كنت مقتدرة مالياً، البسطاء يلجئن إلى مسجد، كنيسة، من يتفهون حالتك سيدعمونك من قلوبهم،  افصلي قيمتك عن الزواج، لا تجعلي لقب مطلقة وحش يطاردك لينهش روحك، أنت بني آدم، لديك أحلام يمكنك بمفردك تحقيقها بدون زوج، لديك حلمك الشخصي وحلمك في أولادك لتتجاوزي بهم إلى شاطئ الأمان .

هناك طريقة سيكولوجية ينصح بها أطباء النفس في مثل هذه الحالة، اكتبي كل يوم عن أشياء جميلة ومتميزة بك، وعيدي قراءتها، ردديها بصوت مسموع لنفسك، لتصلك قناعة أنك كيان متكامل غير منقوص بغياب رجل عن حياتك،  أما دور المجتمع.. فللحديث بقية 

فكرية أحمد

[email protected]