أوراق مسافرة
انتهيت فى المقال الماضى إلى أن الإعلام فى أوروبا نجح فى تغيير صورة المرأة النمطية القديمة من كونها «أيقونة للجمال الخارجى» و«ربة منزل» فى الأعمال الكلاسيكية، إلى امرأة مستقلة فاعلة كسياسية، عالمة، مفكرة، إعلامية وعاملة مستقلة فى كافة المجالات، مما كرس صورتها فى المجتمع بشكل إيجابى هائل كعنصر قيادى مؤثر فى الرأى العام وله احترمه وكيانه، وهو الأمر الذى انعكس إيجاباً وبصورة ملموسة على العلاقات الإنسانية بين الرجل والمرأة وحجم من فشل العلاقات الزوجية.
وسوف ننزعج كثيراً إذا ما عرفنا أن معدلات الطلاق بلغت فى 2.1 فى الألف فى عام 2006 فى دول الاتحاد الأوروبى وذلك عندما نقارنها بمعدلات الطلاق لدينا فى مصر رغم كل ما نردده عن الترابط الأسرى والمودة والمحبة والسكينة التى مفترض أن تقوم عليها أسس الزواج فى معتقداتنا وتقاليد أخلاقنا، للأسف كل هذه الأسس للزواج لدينا لم تعد سوى شعارات لنجد أن معدلات الطلاق بلغت 1و3% وهو فارق هائل بيننا وبين دول أوروبا، وسنرى أن أغلب أسباب الطلاق لدينا هى العنف الأسرى ضد المرأة، والاستخدام الخاطئ للقوامة من قبل الرجل وسوء المعاملة سواء الجسدية أو اللفظية، ظهور تفاوت الفجوات الفكرية والاجتماعية بعد الزواج، وبالطبع بجانب الأسباب الاقتصادية وكذلك ضعف الوعى وتحمل المسئولية والافتقار إلى التأهيل النفسى والاجتماعى للتعامل مع أعباء الحياة الزوجية، وغيرها من الأسباب التى تدفع الزوجة غالباً إلى طلب الطلاق أو اللجوء إلى الخلع لتتخلص من زواج تعس لا يقدر فيه الرجل قيمتها ولا مكانتها فى حياته ولا تأثيرها فى المجتمع.
لذا أوكد انه يقع على عاتق الإعلام دور محورى فى تغيير صورة المرأة النمطية عبر استبدال القوالب التقليدية التى تحصرها فى أدوار الرعاية والتبعية وتسليط الضوء على إنجازاتها فى شتى المجالات مما يصحح المفاهيم الخاطئة ويشجع على تكافؤ الفرص، وأرى أن الإعلام قادر على تفكيك الصور النمطية القديمة للمرأة وبناء صورة إيجابية جديدة لها من خلال:
إنهاء التهميش وتصحيح الأدوار والتوقف عن حصر المرأة فى دور ربة المنزل أو استغلال صورتها كسلعة استهلاكية أو أداة للزينة، وإبرازها كعنصر فاعل ومؤثر فى المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والمجتمعية.
صناعة القدوة والنماذج الناجحة من خلال عرض قصص نجاح لنساء قياديات ومبتكرات، مما يلهم الأجيال الجديدة ويسهم فى تغيير قناعات المجتمع حول قدرات المرأة وتفوقها فى مختلف المجالات.
ضرورة التزام الشفافية فى قضايا العنف والمساواة وتناول قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعى بمهنية وموضوعية دون لوم الضحية، والعمل على الترويج لثقافة حقوق الإنسان والمساواة.
تفعيل الرقابة المجتمعية كمنبر لطرح النقاشات المجتمعية التى تتحدى العادات البالية، وتشكيل رأى عام داعم لتمكين المرأة وحصولها على حقوقها كاملة.
وقد يكون من حسن حظ المرأة وجود دور لدعمها من خلال الإعلام الجديد المتمثل فى عالم الإنترنت ومواقع التواصل الحديثة، حيث ساهمت منصات الإعلام الرقمى فى تمكين نسبة لا بأس بها النساء من تمثيل أنفسهن بأنفسهن، مما أتاح لهن تقديم أنفسهم وأعمالهن وأيضا إبداعاتهن الأدبية والفكرية، وتحدى الصور النمطية، وإبراز إنجازاتهن.
إن ظهور التكنولوجيا والعولمة، وظهور وسائل الإعلام الجماهيرية من منصات التواصل الاجتماعى مثل يوتيوب، انستجرام، فيسبوك وغيرها، قد أسهم بصورة ملحوظة فى تسليط الأضواء بصورة أكبر على المرأة وأعمالها وأسهم فى تمكينها اقتصادياً، وساعدهن على إظهار إبداعهن والإعلان عن أعمالهن الناجحة كسيدات أعمال والترويج لمنتجاتهن وإطلاق مشاريعهن، مما ساعد نسبة لا بأس بها من النساء فى تحقيق استقلال اقتصادى وقد أسهم هذا على تقريب فجوة المساواة بين الجنسين، وتحدى الصور النمطية.
ولكن هنا يجب التوقف أيضاً أمام الجانب السلبى لمنصات التواصل الاجتماعى أو ما يسمى بالإعلام الجديد وتتمثل هذه السلبية فى شقين، الأول سوء استخدام المرأة نفسها لهذه الوسائط، حيث تسىء بعض النساء لصورتها المحترمة، وتسعى للكسب من خلال عرض نفسها فى مشاهد خليعة أو بلغة رديئة فى فيديوهات وصور تسىء لها ولكرامتها مما يكرس صورتها النمطية والتقليدية كأداة للزينة وإمتاع الرجل فقط ومصدر لإثارة الفتن والشهوات فى المجتمع.
والشق الثانى وقوع المرأة نفسها كضحية للاستهداف الرقمى، حيث تشير تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن نحو 85:60% من النساء والفتيات يتعرضن لأشكال مختلفة من العنف الرقمى وبالطبع لمصر نصيب منها، وتتنوع هذه المخاطر بين الابتزاز، والتشهير، عرض معلومات مضللة عنها، التحرش الجنسى والاختراق، والتى تؤثر سلباً على الصحة النفسية للمرأة وتؤدى إلى تدنى تقدير الذات.
أضيف إلى ما سبق أن المرأة كما تسىء لنفسها عبر مواقع التوصل الاجتماعى، تسىء أيضاً لصورتها من خلال الأدب النسائى الذى تظهر ممن خلاله كامرأة ضعيفة ضحية، تنهار مع تعرضها للخيانة أو تخلى الرجل عنها بالطلاق أو حتى ترملها، وكأن كل نجاحها وطموحها مرتبط بوجود رجل ما فى حياتهاـ، وهو خطأ فادح لا يكاد يخلو منه عمل أدبى نسائى، فقط هناك قليلات من الأديبات أفلتن فى إبداعاتهن من تلك الصورة النمطية القديمة للمرأة المصرية.
ومن هنا أطالب الإعلام المستنير المحترم والرائدات من النساء فى مجالات العمل المختلفة بعمل حملات توعية وتدريب للمرأة للتعامل الإيجابى والنافع مع وسائل التواصل الاجتماعى والتدرب على حماية نفسها من الاستهداف الرقمى السلبى وخلق مساحة رقمية آمنة لنمو الأعمال.
وأطرح لتنفيذ ذلك عدة نقاط يمكنها أن تقود لتفعيل دور الإعلام والأدب فى تصحيح الصورة النمطية القديمة والمستهلكة للمرأة وذلك من خلال:
-عمل سياسات وبرامج تدريبية من خلال منظمات دولية ومحلية لتدريب الصحفيين والإعلاميين لتبنى تغطية منصفة وموضوعية لقضايا المرأة، مما يحسن من جودة الخطاب الإعلامى حولها.
-تفعيل وتنشيط أكثر لجهود المؤسسات والمؤتمرات لإطلاق المبادرات الثقافية والمؤسسات الفكرية من المؤتمرات المعنية بالمرأة والرائدات فى المجتمع لإبراز دور المرأة الحضارى وإنشاء قواعد بيانات تحتفى بنماذجها الناجحة.
- إطلاق حملات توعوية لتعزيز التمكين الاقتصادى والسياسى، وتوجيه برامج تدريبية متخصصة للإعلاميات، ومنصات رقمية لتبادل الخبرات وإسماع أصواتهن.
إذا كانت المرأة أثبتت فى كل زمان ومكان قدرتها الفائقة على تخطى الصعاب وتكريس وجودها فى كافة الميادين، سواء فى مجالات التعليم والاقتصاد، أو القيادة وصناعة القرار، ولم تغفل فى هذا دورها الأساسى فى بناء الأسرة التى هى النواة الأولى لمجتمعاتنا، فمن حقها تقديمها للمجتمع فى صورتها الجديدة القوية المحترمة فنجاحات المرأة المستمرة هى الدليل القاطع على أن الاستثمار فى تمكين المرأة هو استثمار فى مستقبل الوطن بأكمله.
فكرية أحمد
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض