رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

 

كنت أواصل معكم رصد عمليات انتحال الصفة، تطويع الذكاء الاصطناعي لتزوير الشهادات الجامعية وشهادات الدكتوراه وغيرها من شهادات التقدير والوثائق التي تمنح النصابين مكانة غير حقيقية في المجتمع وأشرت مع أسفي إلى بعض المصريين الذين نقلوا معهم عقدة الدونية وسبل التحايل والنصب إلى بلدان أوروبية ومنها هولندا، وأنا في خضم حملتي ضد هؤلاء في محاولة لكشفهم وتحذيرهم ليرتدعوا قبل أن ينالهم العقاب القانوني، توافقت المصادفة مع قيام الأجهزة الأمن المصرية بالقبض على أعضاء شبكة نصب استغلت تقنيات الذكاء الاصطناعي في تقليد الشهادات الجامعية والمستندات وبيعها للراغبين عبر مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لبيع شهادات جامعية مزيفة مقابل مبالغ مالية، وجاءت عملية الضبط من خلال معلومات وتحريات الإدارة العامة لمكافحة جرائم تقنية المعلومات بقطاع نظم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
وإذا كانت هذه الشبكة قد سقطت في يد الأمن، فهناك كثيرون لم يسقطوا بعد، ويستغلون الذكاء الاصطناعي في تزوير بطاقات الهوية المزيفة المصممة باحترافية عالية وجوازات السفر المُعدّلة رقميًا وتزوير الشهادات ونشرها بين الراغبين في انتحال الصفة، وللأسف يوجد فراغ قانوني في مواجهة تتطور تقنية الذكاء الاصطناعي بسرعة فاقت الأطر التشريعية، حيث لا تفتقر مصر وحدها بل غالبية الدول لقوانين شاملة تنظم استخدامات التقنية وتفرض الرقابة عليها وتشدد قوانين العقوبات على إساءة استخدامها، بجانب الافتقار التقني الدقيق لكشف أكثر عمليات التزوير تطوراً، حيث يتطلب كشفها غالباً خوارزميات متخصصة للذكاء الاصطناعي و أن تُدرَّب هذه الخوارزميات على مجموعات بيانات ضخمة من الوثائق الأصلية وأيضاً الوثائق المزورة، ويتم برمجتها على تحديد الشذوذات التي لا يمكن للعين البشرية أو أدوات التحقق القياسية التقليدية رصدها، وألا يقتصر أمر فحص المستندات والشهادات على تقنية التعرف الضوئي على الأحرف الأساسية المكون منها مضمون الشهادة أو الوثيقة.
يضاف إلى ذلك ضرورة تدريب تقنية الذكاء الاصطناعي على تحليل الطباعة الدقيقة لهذه الوثائق بفحص النصوص الصغيرة للغاية، والتي غالباً ما تكون غير مرئية للعين المجردة، للتحقق من صحتها وتحديد التلاعب بها، أي في المجمل أمام تزايد تعقيدات انتحال وسرقة الهوية وعمليات الاحتيال بها في عالم يزداد رقمنةً، ازدادت بالتالي عمليات التحقق من أصالة الوثائق صعوبة وتعقيداً سواءً كانت ورقية أو رقمية.
لذا لا بدّ من تطوير أساليب الكشف والتحقق لأن الأساليب التقليدية للتحقق من الوثائق المعتمدة على الفحص اليدوي أو التعرف الضوئي على الأحرف لم تعد كافية أبداً، لأن المزورون المعاصرون أصبح بإمكانهم  محاكاة السمات الأمنية كـ"الهولوغرام" والعلامات المائية وأحبار الأشعة فوق البنفسجية بدقةٍ مذهلة، رغم ذلك  الأمل لا يزال موجوداً كما أشرت في كشف هذا التزوير بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي المتخصصة. 
إن تزوير الهوية لم يعد جريمة ورق، الهوية ليست ورقة، الهوية شرف، ومن يزورها، يزور نفسه وشرفه قبل أن يخدعنا،  لقد تحول تزوير الهوية بفضل الذكاء الاصطناعي إلى سلاح، سلاح يطعن في كفاءة الطبيب، وفي أمانة المهندس، وفي مصداقية الأستاذ الجامعي، حين ينتحل مزور صفة "دكتور" في جامعة أوروبية، فهو لا يسرق وظيفة فقط، هو يسرق ثقة قارة بأكملها في اسم "المصري"، المعركة لم تعد بين مزور ومؤسسة عليها أن تكتشف تزويره حتى لا تمنحه مكانة لا يستحقها،  المعركة الآن بين عقل بشري يريد البناء، وخوارزمية تريد التزييف، فإما أن نحصن شهاداتنا بقواعد بيانات وربط رقمي اليوم، وإما أن نستيقظ غداً على وطن كامل تُباع شهاداته في سوق سوداء على الإنترنت.
الاختيار هنا لم يعد ترفاً، إنها مسألة بقاء، الوطن لا يُبنى بالمزورين، وسمعة المصريين في الخارج لا يحميها إلا المصريون الشرفاء أولاً، نعم  الإمكانيات بسيطة لدى جامعاتنا ومؤسساتنا في مصر لكشف التزوير، ولكن الإرادة لا تحتاج ميزانية، تحتاج إلى قرار، قرار بربط الجامعات بقاعدة بيانات واحدة يمكن الاسترشاد به من قبل أي مؤسسة في مصر أو خارج مصر،  قرار بتغليظ العقوبة على من يخدع الوطن في الداخل ومن يتاجر باسم الوطن في الخارج،  قرار بأن نكون شفافين حتى لا نُتهم بالباطل، أوروبا فتحت لنا أبوابها،  فلن نجعل قلة تستغل كرمها ليُغلق الباب في وجه الأجيال القادمة.
للأسف لقد كشف لنا الذكاء الاصطناعي ضعفنا قبل أن يكشف لنا المزورين، إما أن نلحق بالركب ونرقمن شهاداتنا ونُجرم التزييف الرقمي، وإما أن ندفع الثمن من سمعتنا، ومن وظائف أبنائنا، ومن أمن مجتمعاتنا، تزوير الهوية جريمة فرد ضد المجتمع  وتزوير ها في الخارج جريمة ضد وطن، والقانون وحده هو الذي سيحدد، هل نحن دولة تحمي أبناءها الشرفاء المحترمين؟ أم سوق مفتوحة لكل من هب ودب؟
وختاماً، ما بدأته لا رجعة فيه، حملتي مستمرة لكشف كل من باع شرفه المهني واشترى مكانة لا يستحقها، القبض على شبكة النصب الأخيرة في مصر هو بداية الطريق، وليس نهايته، فالذكاء الاصطناعي لن يتوقف، والمزورون لن ييأسوا، لكن علينا أن نكون أسرع منهم،  على مؤسساتنا أن ترقمن، وعلى قانوننا أن يغلظ، وعلى مجتمعنا أن يلفظ، لأن مستقبل مصر في الداخل وسمعتها في الخارج ليست سلعة تُباع على فيسبوك،  وشهادة الجامعة ليست صورة تُزيف بضغطة زر، أي مصري في الداخل أو في الخارج  يظن أنه سيعالج عقدة الدونية لديه ببطاقة أو شهادة مزورة فهو مخطئ، عليه أن يعلم أن القانون ينتظره، والفضيحة تطارده والوطن الذي خان ثقته في الداخل وحاول تشويه صورته في الخارج لن يحميه، احذروا  فالحساب قادم، وإلى المنتحلين خارج مصر، الذي يهاجر بكرامته هو سفيرنا، أما من يهاجر بتزويره، فهو وصمة عار في جبيننا جميعاً، التحذير الأخير لكم،  سنكشف، وسنسمي، وسنلاحق، حتى نطهر الساحة من الدخلاء، وهذا دورنا ولن نتنازل عنه.
فكرية أحمد
[email protected]