أوراق مسافرة
لن ينسى من شاهدوا فيديوهات وصور ضحايا الطابق السابع في البرج السكني بالعمرانية هذا المشهد المروع أبداً، لن تعيش باقي عائلتهم في سلام نفسي أبداً وهذه المشاهد الفوق مأساوية تطارد ذاكرتهم، ولن يسامح الله كل من وقفوا ليسجلوا عذاب الضحايا وهم يتلظون في النيران دون التحرك لإنقاذهم بأي صورة من الصور مهما كانت بسيطة، مجرد نيل شرف المحاولة بأخذ عدة مراتب من الجيران ووضعها أسفل الشقة المشتعلة ليقفز فوقها الضحايا فتكون الخسارة في الأرواح أقل مما صار الأمر عليه، أو حتى الصعود للطابق الثامن وربط عدة "ملايات" و"بطاطين" بعضها ببعض أو ما تيسر من حبال ويتم تثبيتها في شرفة الطابق الثامن وإلقاءها إلى شقة الشقة التي تحترق، فيتعلق بها الضحايا ويهبطون من خلال هذه الأربطة واحداً تلو الأخر إلى أقرب طابق من الأرض أو حتى يجذبهم سكان الطابق السادس من الشرفة فتكون النجاة.
لم يفكر أحد المشاهدين من حملة الموبايلات في الاتصال بشركة ما لأوناش رفع الأثاث للحضور الفوري لإنقاذ الضحايا، وقد استمرت صراخات استغاثتهم أكثر من نصف ساعة وفقا لمن شاهدوا الحدث، لم يفكر أحد في الصعود للطابق الثامن مع بعض الطفايات التي يتم جمعها من السكان أو حتى من السيارات المارة، وربطها بملايات أو بحبل من الطابق الثامن ليتناولها الضحايا ويحاولون إخماد بعض النيران للوصول الى السلم والنجاة أو حتى لإرجاء تطور الأمر ريثما تحضر قوات الإطفاء التي تصل دائما بعد انتهاء الحدث على غرار الشرطة في نهاية الأفلام العقيمة التي يتصارع فيها الخير مع الشر، حيث تحضر الشرطة مع كلمة النهاية، والنهاية هنا كانت مروعة بكل المعايير الإنسانية.
ما قلته هنا مجرد أفكار بسيطة وكانت في المتناول، لكن الجميع ادعى الخوف على حياته ووقف يصور وكأنه يصور مشهداً لفيلم سينمائي خيالي، المهم من يفوز باللقطة الأكثر ندرة ليبادر بنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي والتي أرى أنها تحولت إلى لعنة حقيقية أفقدت نسبة هائلة من مجتمعنا جوهر إنسانيته، وصار السباق المحموم من يصور الأول!، ومن ينشر أسرع!، وكأن من يصارعون النيران والموت ليسوا بشراً يستغيثون لأن يتحرك أحد لإنقاذهم وليسوا أرواحا تتصعد وجعاً على مرأى ومسمع من الجميع.
هذا ما يتعلق بالشق الإنساني المجتمعي الذي أرى أنه غاب عن المشهد الدرامي لبرج العمرانية، و ساهم كثيراً في الوصول إلى هذه النتيجة المروعة من تفحم أسرة من سيدتين وأطفال لا حول لهم ولا قوة، أما الدور الرسمي المنوط بكل جهة مفترض أنها مسئولة عن التحرك الفوري لإطفاء الحريق وإنقاذ الضحايا، فبديهي أن أول جهة هي الدفاع المدني وهي الإدارة العامة للحماية المدنية ومكافحة الحرائق، والمفترض أنها تمتلك سيارات إطفاء متخصصة للطوابق العالية، وسلالم هيدروليكية مرتفعة، وفرق إنقاذ للتعامل مع الحرائق في المباني السكنية شاهقة الارتفاع وكذلك المنشآت الحيوية.
وإذا بنقطة الإطفاء التي كانت قريبة من موقع الحادث بالعمرانية لم تكن تمتلك سوى سيارة إطفاء واحدة وفقا لما تداولته الأخبار حول الحدث، وليس بالوحدة تلك الإمكانات للتعامل مع البنايات المرتفعة، رغم أن منطقة العمرانية مليئة بالعديد من الأبراج السكنية التي تتطلب وجود قوات إطفاء لها اختصاصات وامتيازات خاصة تمكنها من التعامل مع هذه الارتفاعات، وإذا سلمنا أن وحدة الإطفاء القريبة من مكان الحدث لم تتوافر بها الإمكانات سننتقل إلى جهات أخرى كان يمكنها التحرك الفوري لإنقاذ الضحايا وإخماد النيران لما تتمتع به من قدرات عالية يجب الاستعانة بها في مثل هذه الظروف الاستثنائية.
نعم يوجد لدينا في مصر جهات أخرى يمكن الاستعانة بها لإطفاء الحرائق في البنايات المرتفعة سواء مدنية أو صناعية، منها إدارة الحماية المدنية بالمطارات والتي تتعامل مع حرائق الطائرات أو المنشآت داخل المطارات المصرية، وهى تتمتع بإمكانيات هائلة للتعامل مع الأجسام والمناطق المرتفعة التي قد تندلع بها الحرائق، كما أن قطاع البترول والشركات التابعة له لديها فرق إطفاء مجهزة وسيارات رغوية دقيقة للتعامل مع الحرائق الصناعية والنفطية والتي تتسم بالخطورة الشديدة وتتسع رقعة الحرائق بها ويمكن أن تكون في بنايات مرتفعة، وبالطبع لا يمكن أن ننسى القوات المسلحة والتي تتمتع بوجود طائرات الإطفاء ووحدات التدخل السريع التابعة للجيش في حالات الكوارث الوطنية والحرائق الهائلة التي يصعب السيطرة عليها بالوسائل التقليدية.
وللأسف لم تتحرك أي من هذه الجهات نحو البرج موضع الكارثة، ولنعود في النهاية لنكرر عبارات مريرة هي الاستسلام بعينه للأمر الواقع" أقدار، أعمار، مقدر ومكتوب و..و .." وننسى أن من أحيا نفس فقد أحيا الناس أجمعين، ننسى أن الواجب المجتمعي ولدى المسئولين عن الحماية والدفاع المدني معلق في رقابهم مسئولية موت هؤلاء الضحايا على هذا النحو المريع.
وإذا قارنا ما بين منظومة مكافحة الحرائق لدينا ونظيرتها في البلدان أخرى والإعداد المسبق لديهم في البنايات العالية تحتسباً لمثل هذه الكوارث البشرية سنجد فارق الأرض والسماء، وسأطرح نموذجاً لواحدة من أصغر الدول الأوروبية وهي هولندا سنجد أنها قبل أن تسمح ببنايات مرتفعة على أراضيها وضعت منظومة متكاملة لإجراءات الوقاية والسلامة من الحرائق وحماية هذه المباني وتحجيم الخسائر سواء في الأرواح أو الممتلكات وبصورة صارمة بدءاً من المواد التي تبني بها هذه الأبراج وصولاً إلى باقي الإجراءات الوقائية وإجراءات المكافحة، وقد وضعت لذلك
استراتيجية "السلامة متعددة الطبقات" التي تجمع بين الوقاية الهندسية الصارمة والتدخل التكتيكي السريع للمباني التي يتجاوز
ارتفاعها 70 متراً، حيث تلزم الحكومة من خلال قانون البناء
جميع شركات البناء بتطبيق دليل المباني الشاهقة وتصميم مفاهيم فريدة مخصصة للسلامة من خلال بناء البرج السكني في صورة "أقسام" متعددة مستقلة تحجم من انتقال الحريق من قسم إلى أخر بسهولة، ولكل قسم منها سلالم مصممة على نحو يجعلها تتحمل الحريق لمدة تصل إلى 90 دقيقة، مع وجود أنظمة ضغط هواء إيجابي في أسقف هذه السلالم أو الجدران المحيطة بها لمنع تسرب الدخان إليها بما يسمح للسكان استخدام السلم في أمان لمغادرة البناية حال اندلاع الحريق.
يوجد بكل بناية بصفة عامة وبكل وحدة سكنية أو إدارية أنظمة الرش التلقائي التي تعمل بشكل أوتوماتيكي بمجرد انطلاق أجهزة الإنذار التي تتأثر بأول دخان للحريق، بما يؤدي إلى تثبيط أو إطفاء الحريق في مهده، توجد بكل بناية مصاعد جانبية أو خلفية احتياطية من الحديد المقاوم للانصهار، ويستخدمها السكان في مغادرة البناية عوضا عن السلالم الرئيسية حال تمكن النيران من البناية، كما
تستخدمها فرق الإطفاء عوضاً عن الصعود عبر السلالم الأساسية لتجنب المخاطر و...للحديث بقية
فكرية أحمد
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
