رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى


هناك أشياء صغيرة لا تكبر معنا..
تبقى في حجمها الأول، لكنها تكبر في الذاكرة، وكلما مر الزمن أصبحت أكثر قدرة على أن تعيدنا إلى أيام بعيدة، إلى شوارع لم تعد كما كانت، ووجوه غابت، وطفولة تركناها خلفنا ولم تتركنا.
ومن أجمل الأشياء التي بقيت في ذاكرتي من أيام المولد النبوي.. حصان الحلاوة وعروسة المولد.
كانا بالنسبة لنا أكثر من مجرد حلوى..
كان حصان الحلاوة حصانًا حقيقيًا في خيال طفل صغير، وكانت العروسة أميرة خرجت لتوها من حكاية شعبية.
كان إحساسي بالفرحة لا يوصف.. كأن معي حصانًا بجد، أمسك بلجامه وأتخيل أنه سيأخذني بعيدًا، بينما أعود إلى البيت وأنا أحمل عروسة وحصانًا، وأشعر أنني حصلت على أغلى ما في الدنيا.
لم تكن وقتها قد ظهرت حلوى «علية القوم» التي نعرفها اليوم، بالبندق واللوز والفستق، ولم تكن هناك كل هذه الأنواع والأشكال التي تملأ الشوادر..
كانت الحلوى أبسط..
لكن الفرحة كانت أكبر.
كان المولد بالنسبة لنا موسمًا من البهجة؛ ننتظره كما ننتظر العيد، ونترقب شوادر الحلوى التي تظهر في الشوارع، ونبحث بأعيننا عن الحصان الذي سيصبح، لساعات وربما لأيام، رفيق طفولتنا.
ولم يكن حصان الحلاوة وحده هو الحكاية..
فالمولد في مصر أكبر من الحلوى، وأعمق من مظاهر الاحتفال.
إنه ذاكرة شعبية كاملة تجسد عشق المصريين لمولد نبى الهدى، لها أصواتها وروائحها وألوانها وطقوسها، ولكل مدينة مصرية طريقتها في استقبال هذه المناسبة.
في مطروح، حيث عشت سنوات  طفولتي، كان للمولد طقس آخر يجاور حلاوة المولد..
كانت هناك العصيدة، تلك الوجبة التي تبدو بسيطة في مكوناتها، لكنها تحمل مذاق المكان وذاكرته.
دقيق يُبَسّ بالماء والسمن البلدي، ويظل يُقلب فوق النار حتى تتم تسويته، ثم يوضع العسل في منتصفه مع الزبد البلدى، ليمنح الوجبة مذاقها الخاص.
وكانت العصيدة جزءًا من فرحة المولد، مثلما كانت الحلوى جزءًا من فرحة الأطفال.
ومعها كانت أصوات الأعيرة النارية في الهواء، ابتهاجًا بيوم مولد سيد الخلق.
،تلك هى مصر خلال المولد ،ا تمتلئ الشوارع بالناس، وتبدأ الزينة في الظهور، وتنتشر شوادر بيع الحلوى، ويخرج المداحون والمبتهلون بأصواتهم التي تملأ الليل طربًا ومدحًا وحبًا في رسول الله ﷺ.
هكذا المولد في مصر..
وهكذا بقي في الذاكرة..
حصان حلاوة يركض في خيال طفل، وعروسة تبتسم من فوق شادر، وعصيدة تفوح منها رائحة السمن البلدي، ومدّاح يملأ الليل بالصلاة على النبي.
إنها مصر حين تفرح..