لم تعد وسائل المواصلات العامة مجرد وسيلة تنقل من مكان إلى آخر، بل باتت مرآة صادقة تعكس حجم ما نعيشه من تراجع أخلاقى وتبدل فى القيم الاجتماعية. لم تعد المسألة تتعلق بزحام المقاعد أو طول المسافة، بل باتت تختصر أزمة أعمق... أزمة احترام.
فى مشهد يتكرر يوميًا، يصعد رجل مسن أو سيدة طاعنة فى السن إلى وسيلة نقل مكتظة، فتتسابق العيون إلى الهروب من النظرات، وكأن احترام الكبير أصبح عبئًا يجب الفرار منه. أب يحتضن طفله الصغير ويجلسه إلى جواره على المقعد، بينما يقف شيخ منحنٍ على عكازه، أو سيدة أنهكها العمر، والعيون غائبة، والقلوب قاسية. إنه مشهد لا يكشف فقط عن جفاف السلوك، بل عن تراجع الرحمة والإحساس والذوق العام.
كان الماضى القريب لا يعرف مثل هذه القسوة. كان الشاب إذا سار بجوار من يكبره سنًا أبطأ خطاه احترامًا، وخفض صوته تقديرًا، وغض بصره تأدبًا. كانت المجالس تُبنى على الوقار، وكان الحديث يُمنح لصاحب الشعر الأبيض والخبرة، لا لمن يعلو صوته ويطول لسانه. كان الكبار يجلسون، والصغار يقفون، لا لأن الجسد أقوى أو أضعف، بل لأن الروح كانت مؤدبة، والنفس مطبوعة على احترام الكبير.
أما اليوم فقد اختلت الموازين، وتقدمت الأرجل على الهامات، وسبق اللسان العقل، وتحولت وسائل النقل إلى مختبر يومى لانهيار المعايير. شاب يرفع صوته فى الهاتف بحديث لا يليق أن يسمعه أحد، وآخر يخوض فى السياسة أو الاقتصاد أو العلم بثقة تفوق علمه، وكأن ارتفاع الصوت أصبح بديلًا عن المعرفة، وكأن كل فرد بات يرى نفسه محور الكون.
والمقعد فى المترو ليس سوى صورة واحدة داخل ألبوم كبير يعكس حال المجتمع اليوم.
ذلك الألبوم القديم كانت صوره كلها تنطق بالأدب والوقار، أما ألبوم اليوم فقد امتلأ بصور مختلفة، لا تحتاج إلى تعليق بقدر ما تحتاج إلى مراجعة صادقة لأنفسنا، حتى لا يأتى يوم يصبح فيه احترام الكبير مجرد ذكرى نحكيها للأجيال القادم،و أن كنت أراها أصبحت ذكرى،بل علينا أن ننعى الأخلاق، كما ننعى كل يوم صورة جديدة من صور الماضى الجميل.
فما نراه فى وسائل المواصلات ليس حادثًا عابرًا، بل امتداد لتغيرات أعمق أصابت منظومة القيم منذ أن أصبحت مواقع التواصل الاجتماعى تصنع الشهرة أسرع مما تصنع القدوة، ومنذ أن تراجعت هيبة الكبير داخل كثير من البيوت. أصبحنا نرى الابن يشعل سيجارة فى حضور أبيه وأمه دون حرج، وكأن الحياء نفسه بدأ يختفى من تفاصيل حياتنا.
أتذكر والدى، رحمه الله، وقد ظل حتى بعد زواجه وإنجابه لنا، يتحرج أن يشعل سيجارة فى حضور شقيقه الأكبر، احترامًا له وتقديرًا لمكانته. لم يكن أحد يفرض عليه ذلك، لكنها كانت تربية راسخة، ترى أن للكبير هيبة لا تُمس، وأن الاحترام يُمارس بالفعل قبل أن يُقال بالكلمات. وكنا نحن أيضًا إذا صادفنا أحد أصدقاء والدى، أو رجلًا من جيله، نهب واقفين من مقاعدنا احترامًا له، لأننا تعلمنا أن احترام الكبير احترام لأنفسنا قبل أن يكون احترامًا للآخرين.
ليست القضية أن ننهر طفلًا لأنه جلس على مقعد، بل أن نعلمه أن الكبير أولى. وليست المعركة أن نهاجم الجيل الجديد، بل أن نحسن تربيته. أن نغرس فيه أن المقعد ليس قطعة خشب أو إسفنج، بل امتحان يومى للنبل. وأن احترام الكبير ليس ضعفًا، بل رجولة، وليس مجاملة، بل واجب أخلاقى. فمن يمنح من يكبره مكانًا على المقعد، يمنح نفسه مكانة أسمى فى المجتمع.
إن السلوك فى وسائل المواصلات هو مرآة لأخلاقنا فى الشارع، وفى البيوت، وفى المدارس، وفى ساحات الحوار العام. فإذا فشلنا فى امتحان المقعد، فكيف ننجح فى امتحانات أكبر تتعلق بالوطن والمسؤولية والإنسان؟
الأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق وكبارٍ وجسور، بل بما تبنيه فى نفوس أبنائها من قيم. فالمجتمع الذى يفقد احترام الكبير، وحياء الصغير، ووقار الكلمة، يبدأ فى فقدان جزء من روحه، حتى وإن امتلك أحدث وسائل الحياة.
احترام الكبير لا يحتاج إلى قانون، بل إلى ضمير حى، وإلى بيت يربى، ومدرسة تغرس، وإعلام يوعى، وقدوة تُحتذى. فالقيم لا تُفرض بالعقوبات، وإنما تُورث بالممارسة. وإذا أردنا أن نستعيد مجتمعًا أكثر رحمةً ورقىًّا، فلنبدأ من أبسط الأشياء... مقعد فى مترو، أو حافلة، قد يبدو صغيرًا، لكنه يكشف حجم ما بقى فينا من احترام.
*****
و هنا أختم بتلك الأسطر ***
ليس احترام الكبير خلقًا اجتماعيًا فحسب، بل قيمة جعلها الإسلام من صميم رسالته. فقد اختصر النبى ﷺ غاية بعثته بقوله: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق». فلم يجعل القوة أو المال أو الجاه معيار التفاضل بين الناس، وإنما جعل حسن الخلق عنوان الإيمان، وبر الوالدين، وتوقير الكبير، ورحمة الصغير، وحفظ كرامة الإنسان، من ركائز المجتمع السليم. لذلك فإننا حين نفتقد مشهدًا بسيطًا، كشاب ينهض ليجلس مكانه رجلًا مسنًا أو سيدةً أنهكها العمر، فإننا لا نفقد مجرد سلوك حضارى، بل نفقد جزءًا من المعنى الذى جاءت الرسالة النبوية لترسيخه فى النفوس.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
