رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى



بعيدًا عن الدبلوماسية، وعن لغة السياسة، وعن أحاديث البروتوكول والبيانات الرسمية، هناك حقيقة واحدة لا تحتاج إلى شرح طويل ولا إلى كثير من الكلمات: النيل بالنسبة للمصريين هو الحياة.
قد يختلف السياسيون في قراءة التفاصيل، وقد تتعدد الرؤى حول المفاوضات والاتفاقيات والخيارات المتاحة، وقد تتباين التحليلات بين مصدر وآخر، لكن المواطن المصري العادي لا ينظر إلى النيل باعتباره ملفًا سياسيًا على مكتب مسؤول، ولا باعتباره مجرد قضية تفاوضية بين دول.
المصري ينظر إلى النيل ببساطة شديدة باعتباره الماء الذي يشربه، والأرض التي يزرعها، والطعام الذي يصل إلى بيته، والمستقبل الذي يريده لأبنائه.
ولهذا، فإن كل قطرة ماء في النيل بالنسبة له ليست مجرد رقم في تقرير أو كمية تُقاس بالمليارات من الأمتار المكعبة، وإنما جزء من حياته.
وهل هناك أغلى من الحياة؟
بالتأكيد لا.
ولهذا أيضًا، فإن ما يهمني في قضية النيل ليس فقط ما تقوله المصادر السياسية، أو ما تنقله بعض الأقلام عن مصادر رسمية وغير رسمية، وإنما ما يقوله الناس في الشارع، وما يشعر به المصري تجاه النهر الذي ارتبط بوجوده منذ آلاف السنين.
الشعب المصري، في النهاية، لا يطلب المستحيل.
هو يريد أن يعيش مطمئنًا على مائه، وأن يعرف أن الدولة التي تحمي حدوده وتحافظ على أرضه، تحمي أيضًا حقه في الحياة.
وهنا تصبح مساندة المصريين للدولة في قضية النيل أمرًا طبيعيًا، لأن المواطن يشعر أن الدولة تتحرك دفاعًا عن شيء يمسه بصورة مباشرة، وليس دفاعًا عن موقف سياسي مجرد.
والأهم من ذلك أن هناك نقطة تلتقي فيها إرادة الشعب مع الرؤية السياسية للدولة: ضرورة حماية النيل من المنبع إلى المصب.
فالنهر ليس ملكًا لدولة واحدة، ولا يمكن اختزاله في حدود جغرافية.
إنه نهر عابر للحدود، تتشارك فيه دول وشعوب، وأي استخدام له يجب أن يراعي حقوق الآخرين ومصالحهم، تمامًا كما يجب أن يراعي حق دول المنبع في التنمية.
وهنا لا نتحدث عن عاطفة مصرية فقط، وإنما عن مبادئ مستقرة في القانون الدولي للمجاري المائية.
فـاتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية تؤكد مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول للمجرى المائي الدولي، وتربطه بالمشاركة العادلة في استخدامه وتنميته وحمايته. كما تنص على ضرورة اتخاذ الإجراءات المناسبة لمنع إلحاق ضرر ذي شأن بالدول الأخرى، وعلى التعاون وتبادل البيانات والمعلومات.
والأهم أن الاتفاقية نفسها، عند الحديث عن الاستخدام المنصف والمعقول، تضع في الاعتبار عوامل عديدة، من بينها احتياجات السكان الاجتماعية والاقتصادية، وعدد السكان الذين يعتمدون على النهر، وتأثير استخدام دولة للمجرى المائي على الدول الأخرى، إلى جانب الحفاظ على الموارد المائية وحمايتها.
بمعنى آخر..
القانون الدولي لا يقول إن دولة المنبع تفعل ما تشاء، ولا يقول في الوقت نفسه إن دولة المصب وحدها صاحبة الحق.
المعادلة أكثر عدلًا وتعقيدًا من ذلك.
هناك حق في التنمية، نعم..
لكن هناك أيضًا حق في الحياة.
وهناك حق في استخدام الموارد..
لكن هناك مسؤولية في ألا يتحول هذا الاستخدام إلى ضرر على الآخرين.
وهناك سيادة وطنية..
لكن هناك كذلك التزامات تفرضها طبيعة الأنهار الدولية والتعاون بين الدول.
وهنا تحديدًا يجب أن نتوقف أمام أي تصور بأن امتلاك دولة ما لمصدر النهر يمنحها الحق المطلق في أن تتصرف فيه منفردة دون حساب للدول والشعوب التي تعتمد عليه.
النهر ليس ملكًا لمنبع فقط.. ولا لمصب فقط.
النهر مسؤولية مشتركة.
والتنمية حق، لكن التنمية لا ينبغي أن تتحول إلى خصم من حق الآخرين في الحياة.
ولذلك فإن قضية النيل أكبر من سد، وأكبر من مفاوضات، وأكبر من خلاف سياسي بين عاصمتين.
إنها قضية أمن إنساني.
قضية طفل سيكبر غدًا ويحتاج إلى كوب ماء.
وفلاح يريد أن يزرع أرضه.
وأسرة تريد أن تفتح الصنبور فتجد الماء.
ودولة تريد أن تضمن لأجيالها القادمة أن المورد الذي قامت عليه حضارتها لن يتحول يومًا إلى مصدر للقلق والخوف.
ولذلك فإن مصر عندما تتحدث عن النيل، لا تتحدث فقط عن حاضرها، وإنما عن مستقبلها أيضًا.
وإذا كان من حق إثيوبيا أن تبحث عن التنمية، فإن من حق مصر كذلك أن تطلب ألا تأتي هذه التنمية على حساب أمنها المائي.
وهذا ليس عداءً لإثيوبيا، ولا رفضًا لتنمية شعبها.
على العكس..
يمكن للدول أن تحقق التنمية معًا، ويمكن أن تتحول الأنهار العابرة للحدود من مصدر للخلاف إلى مجال للتعاون، إذا توافرت الإرادة السياسية الحقيقية، وإذا غلب منطق الشراكة على منطق فرض الأمر الواقع.
المشكلة تبدأ عندما يعتقد طرف أن القوة تمنحه حقًا إضافيًا، أو أن موقعه الجغرافي يمنحه قدرة مطلقة على التحكم في حياة الآخرين.
هنا تصبح المسألة أخطر من مجرد خلاف سياسي.
لأن المياه ليست ورقة يمكن استخدامها إلى ما لا نهاية في لعبة السياسة.
المياه حياة.
ولعل هذا هو المعنى الذي يجب أن يفهمه الجميع.
المصري لا يريد أن يمنع إثيوبيا من التنمية، ولا يريد أن يحرم شعبًا من الكهرباء أو التقدم.
لكنه يريد شيئًا بسيطًا جدًا:
أن يظل النيل نهر حياة.
يريد أن يظل النهر الذي حمل حضارته آلاف السنين قادرًا على حمل المستقبل أيضًا.
ولهذا فإن مساندة الشعب المصري لدولته في هذا الملف ليست تعصبًا، وليست رفضًا لحقوق الآخرين، وإنما هي في جوهرها دفاع عن حق أصيل في الحياة.
وقد يكون من المهم أن تسمع السياسة هذا الصوت الشعبي جيدًا.
فخلف كل مفاوضات هناك ملايين البشر.
وخلف كل رقم في تقارير المياه هناك بيت.
وخلف كل متر مكعب هناك حياة.
وخلف النيل كله شعب ارتبط به إلى درجة أن كلمة «مصر» نفسها لا تكاد تنفصل عن كلمة «النيل».
لذلك..
بعيدًا عن لغة البيانات، وبعيدًا عن صخب السياسة، وبعيدًا عن كل الحسابات..
يبقى السؤال الحقيقي:
هل يمكن أن نختلف على السياسة؟ نعم.
هل يمكن أن نختلف على المصالح؟ بالتأكيد.
لكن هل يمكن أن نختلف على حق الإنسان في الحياة؟
هنا..
يجب أن تكون الإجابة واحدة.
لا.
لأن النيل بالنسبة للمصريين ليس مجرد نهر..
النيل هو الحياة.