رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

عندما تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي أكثر من مرة عن ضرورة الاهتمام ببناء الإنسان المصري، لم يكن يتحدث عن شعار يُرفع في المناسبات، ولا عن جملة عابرة تُضاف إلى خطط الحكومة، وإنما كان يلفت الانتباه إلى قضية أعمق بكثير: ماذا حدث للإنسان داخل مجتمعنا؟
فالدولة تستطيع أن تبني الطرق والكباري والمدن والمشروعات، وأن تطور المستشفيات والمدارس والجامعات، لكن كل ذلك يظل في حاجة إلى الإنسان الذي يحافظ عليه ويستخدمه ويطوره.
ولهذا فإن بناء الإنسان ليس ملفًا منفصلًا عن ملفات الدولة، بل هو القضية التي تتقاطع عندها كل الملفات.
والإنسان الذي نريد بناءه ليس مجرد شخص يحمل شهادة تعليمية، وإنما إنسان يمتلك عقلًا واعيًا، وجسدًا سليمًا، ونفسًا مستقرة، وضميرًا يعرف معنى الصواب والخطأ، وسلوكًا يحترم الآخرين والمجتمع والقانون.
وأتذكر هنا عبارة كنت أراها مكتوبة على جدران مدرستي: «العقل السليم في الجسم السليم».
كانت الجملة تبدو لنا ونحن أطفال مجرد حكمة مدرسية تتكرر على الجدران، لكننا عندما نكبر نكتشف أنها تختصر فلسفة كاملة في بناء الإنسان.
فالعقل والجسم ليسا عالمين منفصلين. والنشاط البدني لا يمنح الإنسان صحة جسدية فقط، وإنما يساعد على تحسين التركيز والذاكرة ويخفف التوتر، كما أن الاستقرار النفسي ينعكس على صحة الجسد وقدرة الإنسان على مواجهة ضغوط الحياة.
ولهذا فإن بناء الإنسان يبدأ من منظومة متكاملة: تربية وتعليم وثقافة وصحة، وعلى رأسها الصحة النفسية.
لكنني أتوقف طويلًا أمام كلمة تكاد تختفي من حديثنا اليومي: التربية.
نحن نقول غالبًا: وزارة التعليم، أو وزير التعليم، ومدارس التعليم، ومناهج التعليم، بينما الاسم الذي عرفناه طويلًا هو وزارة التربية والتعليم.
وجود كلمة «التربية» في اسم الوزارة ليس أمرًا شكليًا.
فالمدرسة لم تُنشأ لكي تعلّم الطفل جدول الضرب وقواعد اللغة والتاريخ والجغرافيا والعلوم فقط. هذه مهمة ضرورية، لكنها ليست المهمة الوحيدة.
المدرسة أيضًا مكان يتعلم فيه الطفل كيف يتعامل مع زميله، وكيف يحترم معلمه، وكيف يختلف دون أن يعتدي، وكيف يحافظ على الممتلكات العامة، وكيف يقول الحقيقة، وكيف يعرف أن القوة ليست في إيذاء الآخرين، وأن النجاح ليس على حساب زملائه.
التعليم يبني العقل، لكن التربية تبني السلوك.
وحين ينفصل الاثنان أو ترجح احداهما على الاخرى ، قد نحصل على شخص متعلم لكنه لا يعرف كيف يستخدم ما تعلمه في الحياة.
لذلك، ومع المتغيرات الاجتماعية التي نشهدها، ومع الحوادث التي نسمع عنها من وقت إلى آخر، أعتقد أننا في حاجة إلى إعادة الاعتبار الحقيقي لمفهوم التربية داخل المدرسة.
نحن لا نحتاج إلى العودة إلى الماضي كما هو، وإنما نحتاج إلى استعادة الأشياء الجميلة التي فقدناها منه، وتطويرها بما يتناسب مع العصر.
ومن أهم ما يجب أن نستعيده دور الأخصائي النفسي والاجتماعي في المدرسة.
فالطفل لا يولد عدوانيًا بالضرورة، ولا يستيقظ في يوم من الأيام ليقرر أن يصبح مصدر خطر على نفسه أو على الآخرين.
هناك تغيرات تطرأ عليه، ومؤشرات تظهر في سلوكه، وقد تكون هناك مشكلة في البيت، أو في المدرسة، أو بين الأصدقاء، أو تعرض للتنمر، أو شعور بالإهمال، أو اضطراب لا يستطيع التعبير عنه بالكلام.
وهنا يأتي دور الأسرة والمدرسة معًا.
إذا لاحظ الأب أو الأم تغيرًا واضحًا في سلوك الطفل، أو ميلًا متزايدًا إلى العنف، أو الانعزال، أو الغضب المستمر، أو الاعتداء على الآخرين، فلا ينبغي أن تكون الإجابة الأولى هي العقاب والصراخ.
أحيانًا يحتاج الطفل إلى من يسمعه قبل أن يحتاج إلى من يعاقبه.
والذهاب إلى الأخصائي النفسي لا يجب أن يكون وصمة أو اعترافًا بأن الطفل «مريض».
هذه ثقافة نحتاج إلى تغييرها.
فكما نذهب بالطـفل إلى الطبيب عندما ترتفع حرارته، يجب أن نلجأ إلى المتخصص عندما تتغير حالته النفسية أو سلوكه بصورة تستدعي الانتباه.
الصحة النفسية ليست رفاهية، وإنما جزء من الصحة العامة.
وهنا يأتي دور الأسرة.
فالمدرسة مهما فعلت لا تستطيع وحدها أن تبني الإنسان إذا كان الطفل يعود إلى بيت يهدم كل ما تعلمه في المدرسة.
لا يمكن أن نعلمه احترام الآخر في الفصل، ثم يراه في البيت يسمع ألفاظًا جارحة أو يشاهد عنفًا أو إهانة.
ولا يمكن أن نطالبه بضبط غضبه إذا كان الكبار من حوله يحلون كل خلاف بالصوت المرتفع.
الطفل يتعلم مما نفعله أكثر مما يتعلم مما نقوله.
ثم يأتي دور الرياضة.
فالرياضة ليست مجرد نشاط إضافي في جدول المدرسة، وإنما وسيلة لتربية الإنسان على الانضباط والصبر والعمل الجماعي وتقبل الفوز والهزيمة.
الطفل الذي يمارس الرياضة يتعلم أن الفوز لا يأتي من أول محاولة، وأن الخسارة ليست نهاية العالم، وأن النجاح يحتاج إلى تدريب وصبر.
وهذه كلها دروس في الحياة.
ومن هنا فإن بناء الإنسان يحتاج إلى أن تعمل المؤسسات معًا، لا أن يعمل كل قطاع بمعزل عن الآخر.
التربية والتعليم يبنيان العقل والسلوك، والثقافة توسع الوعي، والرياضة تبني الجسد والانضباط، والصحة تحافظ على الإنسان، والصحة النفسية تحمي توازنه.
هذه هي المنظومة التي نحتاج إليها.
فالهدف في النهاية ليس أن نخرج طالبًا يعرف الإجابة عن سؤال في الامتحان، وإنما أن نخرج إنسانًا يعرف كيف يعيش.
يعرف كيف يحب وطنه دون تعصب، وكيف يختلف دون كراهية، وكيف ينجح دون أن يسحق الآخرين، وكيف يستخدم التكنولوجيا دون أن تتحول إلى أداة لهدمه، وكيف يواجه مشكلاته دون أن يلجأ إلى العنف.
عندما تحدث الرئيس عن بناء الإنسان، كان يتحدث في الحقيقة عن المستقبل.
لأن مستقبل أي دولة لا تصنعه المباني وحدها، وإنما يصنعه الإنسان الذي يعيش داخل هذه المباني.
ولهذا فإن إعادة التربية إلى قلب العملية التعليمية ليست ترفًا، وإعادة الاهتمام بالصحة النفسية ليست رفاهية، وإعادة الرياضة والثقافة إلى حياة الطفل ليست أمورًا ثانوية.
إنها أجزاء أساسية من مشروع بناء الإنسان.
والإنسان الذي ننجح في بنائه اليوم، هو المجتمع الذي سنراه غدًا.