رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

   كل يوم تقريبًا نسمع عن واقعة جديدة، أو مشاجرة انتهت بجريمة، أو شخص فقد السيطرة على أعصابه، أو اعتداء لم يكن أحد يتخيل أن يصل إلى هذه الدرجة.

والأخطر من وقوع الحوادث نفسها، أن بعض مشاهد العنف بدأت تتحول تدريجيًا إلى شيء نعتاده.

نقرأ الخبر، نتألم قليلًا، نتساءل عن الأسباب، ثم ننتقل إلى الخبر التالي.

حتى سلوك حضور الحفلات بصفة عامة و فى المناطق المفتوحة مثل الساحل الشمالي بصفة خاصة تغيرت .

هنا يبقى السؤال الذي يجب أن نتوقف أمامه طويلًا ليس فقط: ماذا حدث في هذه الجريمة؟ وإنما:ماذا حدث لنا؟

ماذا حدث للإنسان داخل مجتمعنا حتى أصبح الغضب أسرع من العقل، والانفعال أسرع من التفكير، والعنف أحيانًا هو أول وسيلة يلجأ إليها البعض لحل الخلاف؟

هل المشكلة في حادثة بعينها؟

أم أن هناك شيئًا أعمق يحدث داخل المجتمع؟

لا أعتقد أن كل هذه الوقائع يمكن التعامل معها باعتبارها حوادث منفصلة لا رابط بينها.وراء كل واقعة إنسان. ووراء كل إنسان أسرة.

ووراء الأسرة مدرسة ومجتمع وثقافة وإعلام وشارع وبيئة نفسية واجتماعية.

ولهذا فإن مواجهة العنف لا تبدأ فقط بعد وقوع الجريمة، وإنما يجب أن تبدأ قبلها .

وهنا أتذكر حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي أكثر من مرة عن بناء الإنسان المصري.

قد يظن البعض أن بناء الإنسان يعني تطوير التعليم أو تحسين الخدمات فقط، لكن القضية أكبر من ذلك بكثير.

نحن نتحدث عن بناء عقل، وبناء شخصية، وبناء ضمير، وبناء جسد سليم، وبناء نفس مستقرة.

فالإنسان الذي نريد بناءه ليس مجرد شخص يحمل شهادة، وإنما شخص يعرف كيف يختلف دون أن يعتدي، وكيف يغضب دون أن يتحول غضبه إلى جريمة، وكيف يستخدم قوته في حماية الآخرين لا في إيذائهم. وهنا نعود إلى المدرسة.

وأتوقف تحديدًا عند كلمة اختفت تقريبًا من حديثنا اليومي: التربية.

نقول وزارة التعليم، ووزير التعليم، وننسى أن الاسم الذي عرفناه طويلًا هو وزارة التربية والتعليم.

وليس وجود كلمة التربية في الاسم مجرد تفصيلة لغوية.

فالمدرسة ليست مكانًا لتعليم المواد الدراسية فقط.

المدرسة أيضًا هي المكان الذي يتعلم فيه الطفل كيف يحترم زميله، وكيف يقبل الاختلاف، وكيف يضبط غضبه، وكيف يعرف أن الاعتداء على الآخرين ليس قوة، وأن الأخلاق ليست مادة دراسية تنتهي بانتهاء الامتحان.

التعليم يبني العقل، والتربية تبني السلوك.

وإذا اهتممنا بالتعليم وتركنا التربية، فقد ننجح في تخريج أجيال تعرف القراءة والكتابة والحساب، لكنها لا تعرف بالضرورة كيف تتعامل مع الحياة.

ومن هنا تأتي أهمية أن نعيد النظر في منظومة التربية داخل مدارسنا.

نحتاج إلى أن يعود للأخصائي النفسي والاجتماعي دوره الحقيقي.

فالطفل الذي يتحول فجأة إلى شخص عدواني لا ينبغي أن يكون أول رد فعل تجاهه هو العقاب.

 علينا أن نسأل أولًا: لماذا تغير؟

ماذا حدث له؟

هل يتعرض للتنمر؟

هل يعاني مشكلة داخل الأسرة؟

هل يشعر بالإهمال؟

هل يتعرض لضغوط لا يستطيع التعبير عنها؟

هل لديه مشكلة نفسية تحتاج إلى متخصص؟

فالأسرة يجب ألا تنتظر حتى يتحول السلوك العدواني إلى كارثة.

إذا لاحظ الأب أو الأم تغيرًا حادًا في سلوك طفلهما، فإن الذهاب إلى الأخصائي النفسي ليس عيبًا ولا وصمة.

وكما نذهب بالطـفل إلى الطبيب عندما يمرض جسده، علينا أن نذهب به إلى المتخصص عندما تتغير نفسيته وسلوكه.

الصحة النفسية جزء من بناء الإنسان.

والرياضة أيضًا جزء من هذا البناء.

فالرياضة لا تبني الجسد فقط، وإنما تساعد الإنسان على الانضباط، وتعلمه الصبر، وتخفف التوتر، وتمنحه وسيلة صحية لتفريغ الطاقة والغضب.

والطفل الذي يجد ملعبًا ومسرحًا وكتابًا وموسيقى ونشاطًا فنيًا وثقافيًا، هو طفل لديه مساحات متعددة للتعبير عن نفسه.

وهنا يأتي دور الثقافة.

الثقافة ليست حفلة أو ندوة أو معرضًا فقط.

الثقافة واحدة من وسائل حماية المجتمع.

فكما نحتاج إلى أدوات تحمي المجتمع من الجريمة بعد وقوعها، نحتاج أيضًا إلى أدوات تمنع أسبابها قبل أن تصل إلى مرحلة الانفجار.

وأعتقد أن الثقافة يمكن أن تكون خط دفاع مهمًا في هذه المعركة.

الكتاب يعلم الإنسان التفكير.

المسرح يجعله يرى نفسه في الآخرين.

الموسيقى تمنحه مساحة للمشاعر.

الفن يفتح أمامه أبوابًا للتعبير.

والقراءة تمنحه القدرة على رؤية العالم من أكثر من زاوية.

نحن إذن أمام منظومة واحدة:

تربية وتعليم وثقافة ورياضة وصحة وصحة نفسية وأسرة.

هذه كلها حلقات في سلسلة واحدة اسمها بناء الإنسان.

ولذلك فإن مواجهة العنف لا يمكن أن تكون مسؤولية وزارة الداخلية وحدها، مهما كان دورها مهمًا.

الأمن يتعامل مع الجريمة عندما تقع، لكن المجتمع كله يجب أن يعمل على ألا يصل الإنسان إلى الجريمة أصلًا.

نحتاج إلى أن نكتشف مبكرًا الطفل الذي يتغير سلوكه.

وأن نساعد الشاب الذي يعاني أزمة.

وأن نعيد للمدرسة دورها التربوي.

وأن نعطي الثقافة مكانتها.

وأن نعيد الرياضة إلى حياة أطفالنا.

وأن ندرك أن الصحة النفسية ليست رفاهية.

لأن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن ننتظر حتى تتحول المشكلات الصغيرة إلى كوارث كبيرة، ثم نسأل بعد ذلك: كيف حدث هذا؟

السؤال الحقيقي يجب أن يكون قبل ذلك بكثير:

كيف نمنع حدوثه؟

وهنا تحديدًا تصبح عبارة «بناء الإنسان» مشروعًا حقيقيًا، لا مجرد شعار.

فالإنسان الذي نبنيه اليوم هو المجتمع الذي سنعيش فيه غدًا.

وإذا أردنا أن نقلل العنف في الشارع، فعلينا أن نبدأ من المدرسة.

وإذا أردنا أن نحمي المجتمع من الانفلات، فعلينا أن نبني وعيًا.

وإذا أردنا أن نمنع القنبلة الموقوتة من الانفجار، فعلينا أن نكتشف مبكرًا ما الذي جعلها قنبلة في الأساس.

المشكلة ليست فقط في أن المجتمع أصبح أكثر عنفًا...

المشكلة الأكبر أن علينا أن نسأل: ماذا حدث للإنسان؟