ليست كل الحروب تُخاض بالسلاح، فهناك حروب أشد خطورة تستهدف العقول قبل الحدود، والنفوس قبل الأوطان. ولا يوجد سلاح أخطر من اليأس، ولا معركة أشد قسوة من تلك التى تستهدف قتل الأمل فى نفوس الناس.
فالأمم لا تنهزم حين تمر بأزمة اقتصادية، ولا حين ترتفع الأسعار، ولا حتى حين تواجه تحديات كبيرة، لكنها قد تنهزم إذا اقتنع شعبها بأنه لا جدوى من العمل، ولا قيمة للصبر، ولا مستقبل ينتظره.
لهذا، فإن أخطر ما يفعله أعداء الأوطان ليس تدمير الجسور أو المصانع، وإنما تدمير الثقة. فاللعبة الحقيقية ليست إنكار وجود المشكلات، فالمشكلات موجودة، ولا أحد يستطيع أن ينكر أن ارتفاع الأسعار يضغط على حياة المواطنين ويزيد من أعباء المعيشة. لكن الهدف هو تحويل هذه المعاناة إلى حالة دائمة من الإحباط، وإقناع الناس بأن كل ما يُبذل من جهد لا قيمة له، وأن المستقبل لا يحمل أى أمل، وأن الإصلاح مجرد وهم.
إنها حرب تستهدف الوعى قبل أى شىء. حرب تقوم على تضخيم كل أزمة، وتجاهل كل خطوة إلى الأمام، حتى يستيقظ المواطن كل صباح على رسائل تقول له إن كل شىء ينهار، وإن كل جهد يضيع، وإن المستقبل أكثر ظلامًا من الحاضر. إنها عملية منظمة لصناعة الإحباط، لأن الإنسان الذى يفقد الأمل يفقد معه الرغبة فى البناء، ويصبح أكثر استعدادًا للاستسلام.
لكن هذا لا يعنى إنكار الواقع. فالمواطن يشعر بغلاء الأسعار ويعانى من ضغوط الحياة، وهذه حقائق لا يجوز القفز فوقها. غير أن الحكم على تجربة دولة لا يكون من خلال أزمة عابرة أو ارتفاع سعر سلعة، وإنما من خلال رؤية شاملة تنظر إلى مسارها، وما يُبنى فيها من مشروعات، وما يتحقق من إصلاحات تحتاج بطبيعتها إلى الوقت حتى تؤتى ثمارها.
وهنا يجب أن نفرق بين النقد والإحباط. فالنقد الحقيقى يبحث عن حل ويكشف الخلل من أجل الإصلاح، أما الإحباط فيسعى إلى هدم الثقة، وتحويل كل معاناة إلى يأس، وكل يأس إلى عجز، وكل عجز إلى استسلام. وهذه هى المعركة الحقيقية... معركة الوعى.
لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تنهض لأنها لم تعرف الأزمات، وإنما لأنها امتلكت الإرادة لتجاوزها. فما من دولة حققت نهضتها إلا بعد سنوات من الصبر والعمل، ولذلك لم يخلد التاريخ الشعوب التى عاشت فى رخاء دائم، بل خلد الشعوب التى واجهت التحديات ثم صنعت مستقبلها.
إن الحفاظ على الأمل ليس ترفًا، بل ضرورة وطنية. فهو الطاقة التى تدفع العامل إلى مصنعه، والفلاح إلى أرضه، والطالب إلى كتابه، والطبيب إلى مريضه. وحين يموت الأمل، تتوقف عجلة الحياة قبل أن تتوقف عجلة الاقتصاد.
لذلك فإن أخطر ما يمكن أن نخسره ليس مشروعًا أو أزمة اقتصادية، وإنما أن نخسر إيماننا بقدرتنا على تجاوز الصعاب. فالأمم لا تسقط حين تواجه الأزمات، لكنها قد تسقط حين تفقد الأمل فى تجاوزها. والأوطان تُبنى بالعمل، لكنها لا تُبنى أبدًا إذا انتصر اليأس فى قلوب أبنائها.
.......
هنا أختم بتلك الأسطر
.....
مصر تواجه تحديات اقتصادية حقيقية، وهذا أمر لا خلاف عليه، لكن تحويل هذه التحديات إلى رسالة يومية عنوانها "لا أمل"... هو أخطر ما يمكن أن تتعرض له أمة تسعى إلى البناء.
الأوطان لا تنهض بالتصفيق، لكنها أيضًا لا تنهض بالتشكيك المستمر. تنهض عندما يجتمع النقد الصادق مع الأمل، والمصارحة مع الثقة، والعمل مع الصبر
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض