رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

أن أخطر خطأ يمكن أن نرتكبه هو أن نتعامل مع الحوادث البشعة التي نسمع عنها باعتبارها وقائع منفصلة، ثم نكتفي بالعقاب بعد وقوعها،من هنا فالحل لابد أن يكون شاملا ز مبكرا.

إذا كانت المدرسة هي المكان الذي نبدأ فيه بناء الإنسان، فإن الثقافة هي المساحة الأوسع التي نواصل فيها تشكيل وعيه.

ولهذا لا أعتقد أن الثقافة يمكن أن تكون بندًا هامشيًا في مشروع بناء الإنسان، أو نشاطًا نذهب إليه عندما يتوفر الوقت.

الثقافة ليست ترفًا، وليست حفلة موسيقية أو معرضًا للكتاب أو عرضًا مسرحيًا ينتهي بانتهاء موعده.

الثقافة في جوهرها هي طريقة الإنسان في التفكير، وفي رؤية نفسه والآخرين والحياة.

ومن هنا أرى أن الثقافة يجب أن تُعامل باعتبارها واحدة من أدوات حماية المجتمع.

 الثقافة يمكن أن تكون خط دفاع آخر في مواجهة أخطار الداخل: الجهل، والتعصب، والعنف، والانفلات الأخلاقي، وفقدان الانتماء، والتطرف في التفكير.

لكن لكي تقوم الثقافة بهذا الدور، لابد أن يكون القائمون عليها مدركين أولًا لمعنى الثقافة.

فالمشكلة ليست في عدد الفعاليات التي نقيمها، ولا في عدد اللافتات التي نرفعها، وإنما في تأثير هذه الفعاليات على الإنسان.

قد نقيم مئات الندوات ولا يتغير شيء. وقد يقرأ طفل كتابًا واحدًا في الوقت المناسب، فيغير هذا الكتاب طريق حياته.

وقد يشاهد شاب عرضًا مسرحيًا يجعله يعيد التفكير في قضية كان ينظر إليها بصورة مختلفة.

وقد يسمع أغنية جميلة فتفتح داخله نافذة على قيمة أو ذكرى أو إحساس كان قد فقده. هذه هي الثقافة الحقيقية.

الثقافة لا تصرخ في وجه الإنسان: «كن صالحًا».

إنها تجعله يكتشف بنفسه لماذا يجب أن يكون صالحًا.

ولا تقول له فقط: «لا تستخدم العنف». إنها تعلمه أن هناك وسائل أخرى لحل الخلاف. ولا تكتفي بأن تقول له: «احترم الآخر».

إنها تجعله يفهم أن الاختلاف بين البشر ليس سببًا للكراهية.

ولهذا فإن مشروع بناء الإنسان يحتاج إلى ثقافة حقيقية تصل إلى الناس، وليس ثقافة تبقى داخل القاعات المغلقة.

نحتاج إلى أن تعود المكتبة إلى المدرسة. وأن يعود المسرح إلى المدرسة. وأن تعود الموسيقى والفنون إلى حياة الأطفال.

وأن تتحول قصور الثقافة إلى بيوت حقيقية للناس، لا مجرد مبانٍ تفتح أبوابها في المناسبات.

نحتاج إلى أن يصل النشاط الثقافي إلى القرى والنجوع والمناطق البعيدة، لا أن يظل حبيس المدن الكبرى.

فليس من العدل أن يحصل طفل في العاصمة على فرص متعددة لا يجد مثلها طفل في قرية أو محافظة بعيدة.

العدالة الثقافية جزء من العدالة الاجتماعية.

والثقافة أيضًا قادرة على مواجهة واحدة من أخطر مشكلات عصرنا: المحتوى الذي يصل إلى الطفل والشاب من دون رقابة أو فلترة أو قدرة على التمييز.

اليوم لم تعد الأسرة وحدها هي التي تربي أبناءها.

الهاتف موجود في يد الطفل، ومواقع التواصل تدخل معه إلى غرفته، والمحتوى يصل إليه في كل لحظة.

ولهذا فإن المعركة لم تعد بين الأسرة والمدرسة فقط، وإنما أصبحت هناك منافسة شرسة على عقل الإنسان ووعيه.

وإذا تركنا هذا الفراغ، فسوف يملؤه آخرون.

ولهذا لا يمكن أن نتحدث عن بناء الإنسان من دون أن نتحدث عن بناء الحس الفنى وقدرته على الاختيار.

الطفل الذي يتعلم الموسيقى، ويقرأ كتابًا، ويشاهد مسرحية، ويمارس الرياضة، ويزور متحفًا، ويشارك في نشاط ثقافي، هو طفل لديه بدائل كثيرة عن العنف والفراغ.

والشباب الذي يجد أمامه مسرحًا وكتابًا وسينما وموسيقى وفنونًا ورياضة، تقل فرص أن يتحول وقت فراغه إلى مساحة مفتوحة لأي محتوى عشوائي. وهنا تتقاطع الثقافة مع الصحة النفسية. فالإنسان يحتاج إلى التعبير عن نفسه. والفن أحد أرقى أشكال التعبير.

قد لا يستطيع الطفل أن يقول ما بداخله، لكنه يستطيع أن يرسمه.

وقد لا يستطيع الشاب أن يشرح مشاعره، لكنه قد يجدها في أغنية أو قصيدة أو فيلم.

وقد يعيش الإنسان أزمة لا يستطيع الحديث عنها، فيجد في كتاب أو مسرحية شيئًا يقول له: «أنت لست وحدك».

لذلك فإن الثقافة ليست منفصلة عن الصحة النفسية، بل يمكن أن تكون إحدى وسائل الوقاية والدعم وبناء التوازن، إلى جانب دور المتخصصين في الصحة النفسية. وهنا أعود إلى المدرسة.

نحن بحاجة إلى مدرسة لا تكتفي بتخريج طالب ناجح في الامتحان، وإنما تخرّج إنسانًا قادرًا على التعامل مع الحياة.

نحتاج إلى أن يعرف الطفل أن القراءة ليست عقابًا، وأن المسرح ليس حصة إضافية مملة، وأن الموسيقى ليست نشاطًا بلا قيمة، وأن الفن ليس رفاهية للأغنياء.

الفن والثقافة حق من حقوق الإنسان.

ومن هنا فإن وزارة الثقافة أمام مسؤولية كبيرة.

لكن هذه المسؤولية لا تستطيع وزارة الثقافة وحدها أن تتحملها.

نحتاج إلى تعاون حقيقي بين التربية والتعليم والثقافة والشباب والرياضة والصحة والإعلام.

فبناء الإنسان مشروع دولة، وليس مشروع وزارة واحدة.

وزارة التربية والتعليم تبني المعرفة والسلوك.

وزارة الثقافة تبني الوعي والحس الفنى.

وزارة الشباب والرياضة تبني الجسد والانضباط وروح الفريق.

وزارة الصحة تحمي الجسد والنفس.

والإعلام يخاطب ملايين الناس كل يوم، وبالتالي فإن عليه مسؤولية هائلة في تقديم نموذج يحترم عقل المواطن ولا يساهم في نشر العنف والابتذال.

إذا عملت هذه المؤسسات كل منها منفردة، ستظل النتائج محدودة.

أما إذا تحولت إلى منظومة واحدة، فإننا نكون أمام مشروع حقيقي لبناء الإنسان.

وأعتقد أن أخطر خطأ يمكن أن نرتكبه هو أن نتعامل مع الحوادث البشعة التي نسمع عنها باعتبارها وقائع منفصلة، ثم نكتفي بالعقاب بعد وقوعها.

العقاب ضروري عندما تقع الجريمة، لكنه يأتي بعد أن يكون الضرر قد حدث.

أما بناء الإنسان، فيبدأ قبل الجريمة بسنوات.

يبدأ من الأسرة.من المدرسة.من الكتاب.من الرياضة.من المسرح.

من الموسيقى.من المسجد والكنيسة.من الإعلام.

ومن الطريقة التي نتعامل بها مع أطفالنا وشبابنا.

الوقاية تبدأ ببناء الإنسان قبل أن نضطر إلى التعامل مع نتائج انهياره.

وهذا هو المعنى الأعمق لفكرة بناء الإنسان التي يجب ألا تتحول إلى شعار.

فنحن لا نحتاج فقط إلى إنسان متعلم، وإنما إلى إنسان واعٍ.

ولا نحتاج فقط إلى إنسان قوي الجسد، وإنما إلى إنسان متزن النفس.

ولا نحتاج فقط إلى إنسان يعرف حقوقه، وإنما إلى إنسان يعرف أيضًا واجباته.

ولا نحتاج فقط إلى إنسان يطالب بالحرية، وإنما إلى إنسان يعرف أن الحرية مسؤولية.

إن بناء الإنسان هو الاستثمار الوحيد الذي لا يفقد قيمته بمرور الزمن.

والثقافة في هذا المشروع ليست هامشًا.

الثقافة هي التي تمنح الإنسان القدرة على أن يفهم، وأن يفكر، وأن يختار، وأن يرفض الخطأ قبل أن يتحول الخطأ إلى سلوك.

ولهذا، فإن المجتمع الذي يريد أن يحمي أبناءه من العنف والانفلات لا يكفيه أن يزيد عدد الكاميرات أو العقوبات.

عليه أن يزيد أيضًا عدد الكتب، والمكتبات، والملاعب، والمسارح، والأنشطة الفنية، والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين.

فأحيانًا تكون أفضل وسيلة لمنع القنبلة الموقوتة من الانفجار أن نكتشف مبكرًا لماذا بدأت تعمل.

وهنا يبدأ بناء الإنسان.