سؤال أصبح يفرض نفسه علينا كل يوم، بعد كل حادث، وكل مشاجرة، وكل واقعة اعتداء، وكل عبور للطريق في الاتجاه المعاكس، أو قيادة متهورة، أو مشهد نراه في الشارع، أو حتى في حفلة عامة أو مناسبة خاصة، ثم يصل إلينا عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
أحيانًا أشاهد بعض هذه المشاهد وأتوقف طويلًا أمامها، ليس فقط بسبب ما حدث، ولكن بسبب السؤال الأصعب: كيف وصلنا إلى هنا؟
متى أصبح من السهل أن يمد شخص يده على آخر بسبب خلاف بسيط؟
متى أصبح الصراخ هو اللغة الأولى في الحوار؟
متى أصبح السب والإهانة أمرًا عاديًا في الشارع وعلى مواقع التواصل؟
ومتى أصبح البعض يتصرف وكأن الطريق ملكه وحده، والمواصلات ملكه وحده، والمكان العام ملكه وحده؟
الأمر لا يتعلق بحادث واحد، ولا بمجموعة من الأشخاص، ولا بجيل بعينه.
إنه شيء أكبر من ذلك.
إنه تغير في سلوكنا العام.
وأنا هنا لا أتحدث عن الماضي باعتباره زمنًا مثاليًا لم تكن فيه أخطاء أو مشاجرات أو تجاوزات. بالعكس، كانت هناك مشكلات كثيرة، وكان الناس يختلفون ويتشاجرون ويغضبون، لكنني أتذكر أن حتى المشاجرات كان لها سقف.
كانت الشتيمة، إن حدثت، لها سقف.
وكان هناك شيء اسمه «عيب».
قد يختلف اثنان، وقد ترتفع أصواتهما، وقد يغضب أحدهما من الآخر، لكن كانت هناك لحظة يتوقف عندها الإنسان لأنه يعرف أن ما بعدها ليس مقبولًا.
كان الإنسان يحسب حساب نظرة الناس.
ليس خوفًا منهم بالضرورة، وإنما احترامًا لنفسه قبل أن يكون احترامًا لهم.
كان هناك إحساس بأنك تعيش وسط آخرين، وأن لك حقوقًا، لكن للآخرين أيضًا حقوقًا.
في المواصلات العامة، مثلًا، لم يكن الأمر مثاليًا، لكن كان هناك سلوك عام يعرفه الناس بالفطرة.
الكبير له احترامه.
والسيدة لها مكانتها.
ومن يقف ينتظر دوره لا يقفز أمام الآخرين.
ومن يجلس في مكانه يعرف أن هناك من هو أولى منه.
لم تكن هناك لافتة فوق كل مقعد تقول لنا ماذا نفعل، ولم يكن هناك شرطي يقف بجوار كل مواطن ليذكره بواجباته.
كان هناك شيء اسمه الذوق العام.
وهذا الذوق لم يكن مكتوبًا في قانون، لكنه كان موجودًا في البيوت، وفي المدارس، وفي الشارع، وفي طريقة تربية الأبناء.
حتى في الخلافات العائلية كان هناك دائمًا شخص يقول: «خلاص.. كفاية».
وكانت هذه الكلمة كافية أحيانًا لإنهاء الخلاف.
اليوم، يبدو أننا فقدنا شيئًا من هذه القدرة على التوقف.
الغضب أصبح أسرع.
والكلمة أصبحت أقسى.
واليد أصبحت أقرب.
والإنسان أصبح مستعدًا في لحظة انفعال لأن يخسر صديقًا أو جارًا أو قريبًا أو حتى حياته بسبب موقف كان يمكن أن ينتهي بكلمتين.
والأخطر أننا بدأنا نتعامل مع بعض هذه المشاهد باعتبارها أمرًا عاديًا.نصورها، ننشرها.نتداولها. نضحك أحيانًا. نتعجب أحيانًا ثم ننتقل إلى الفيديو التالي.
وكأن الإنسان أصبح مجرد مشهد على شاشة.
وهنا يأتي دور السوشيال ميديا.
هي بالتأكيد لم تصنع كل هذه السلوكيات، لكنها جعلتنا نراها بصورة لم نكن نراها من قبل.
أصبحت الكاميرا موجودة في كل مكان، وأصبح كل موقف قابلًا للتصوير والنشر.
لكن المشكلة ليست في الكاميرا وحدها.
المشكلة أن بعض السلوكيات التي كان الإنسان يخجل من فعلها أمام الناس، أصبح البعض يفعلها أمام آلاف الناس دون أن يشعر بالخجل.
بل إن بعض التصرفات أصبحت تحقق انتشارًا ومشاهدات، وكأن الخطأ تحول أحيانًا إلى وسيلة للشهرة.
وهنا يجب أن نسأل أنفسنا:
ماذا نقدم لأبنائنا عندما يرون أن الصوت الأعلى ينتصر، وأن الأكثر جرأة في التجاوز هو الأكثر انتشارًا؟
كيف نطلب من الطفل أن يحترم الكبير، بينما يرى الكبير نفسه يسب ويصرخ ويعتدي؟
كيف نطلب منه أن يحترم الطريق، بينما يرى من حوله من يسير عكس الاتجاه ولا يهتم بحياة الآخرين؟
كيف نطلب منه ضبط النفس، بينما يرى أمامه أشخاصًا يفقدون السيطرة على أنفسهم لأسباب بسيطة؟
الطفل لا يتعلم الأخلاق من الكلام فقط.
يتعلمها مما يراه.
يتعلمها من الأب والأم.
من المدرسة.
من المدرس.
من الشارع.
ومن الشخص الذي يجلس بجواره في المواصلات.
ومن الفنان الذي يحبه.
ومن الشخص الذي يراه قدوة على الشاشة.
ولهذا فإن الحديث عن السلوك العام ليس رفاهية، وليس موضوعًا هامشيًا يمكن تأجيله.
نحن نتحدث عن بناء الإنسان نفسه.
فالإنسان الذي يحترم الطابور، ويحترم الطريق، ويحترم الجار، ويحترم المرأة، ويحترم الكبير، ويحترم اختلاف الآخرين معه، هو نفسه الإنسان الذي يمكن أن نبني به مجتمعًا أكثر أمانًا ورحمة.
ولذلك عندما نتحدث عن بناء الإنسان، لا يجب أن نفهم المصطلح باعتباره تعليمًا وشهادة ووظيفة فقط.
بناء الإنسان يبدأ من أشياء صغيرة جدًا.
أن تقول لطفلك: «استنى دورك».
أن تعلمه ألا يرفع صوته على الكبير.
أن تقول له إن الاعتذار ليس ضعفًا.
أن تفهمه أن الاختلاف لا يعني الكراهية.
أن تعلمه أن الشارع ملك للجميع.
وأن حقك في استخدام الطريق لا يعني أن تعرض حياة الآخرين للخطر.
أن تقول له ببساطة: «ما ينفعش تعمل كده.. عيب.»
نعم، ما زلت أؤمن أن كلمة «عيب» لها مكان في حياتنا.
ليس المقصود بها القمع أو الخوف أو منع الإنسان من التعبير عن نفسه، وإنما أن يكون داخل كل إنسان ميزان صغير يقول له: هذا صحيح، وهذا خطأ.. هذا يليق بي، وهذا لا يليق.
نحن في حاجة إلى إعادة هذا الميزان إلى مكانه.
نحن في حاجة إلى أن نتعلم مرة أخرى كيف نختلف دون أن نكره، وكيف نغضب دون أن نؤذي، وكيف نرفض دون أن نهين، وكيف نعيش وسط الناس دون أن نتصور أننا وحدنا في هذا العالم.
وأحيانًا أفكر أن الأزمة ليست أننا أصبحنا أكثر غضبًا فقط، وإنما أننا أصبحنا أقل قدرة على تحمل بعضنا البعض.
لم يعد لدينا صبر كافٍ لسماع الآخر. ولا وقت كافٍ لفهمه ،ولا مساحة كافية للعفو.
أصبحنا نريد كل شيء بسرعة، ونغضب بسرعة، ونحكم بسرعة، ونهاجم بسرعة.
حتى الكلمة التي كان يمكن أن تحل المشكلة أصبحنا نستخدم بدلًا منها كلمة تشعلها.
وهنا أتذكر أن المجتمع لا تحميه القوانين وحدها.
القانون ضروري، والعقوبة ضرورية، والردع ضروري، لكن هناك منطقة أخرى لا يصل إليها القانون.
منطقة داخل الإنسان نفسه.
هناك شيء لا يستطيع الشرطي أن يراقبه، ولا الكاميرا أن تراه، ولا القانون أن يقف بجواره طوال الوقت، إنه ضمير الإنسان.
إذا عاد الضمير إلى مكانه، عاد جزء كبير من التوازن.
وإذا اختفى، فلن تكفي آلاف القوانين.
ولذلك ربما نحتاج اليوم إلى أن نتوقف قليلًا عن سؤال: «من المخطئ؟» بعد كل حادث، ونبدأ بسؤال أعمق:
«ماذا حدث لنا؟»
ماذا حدث للأسرة؟ ماذا حدث للمدرسة؟ ماذا حدث للشارع؟ ماذا حدث لفكرة القدوة؟ ماذا حدث للذوق العام؟
وماذا حدث لفكرة أنني أعيش معك، وليس وحدي؟
ربما لن نستطيع أن نغير المجتمع كله في يوم واحد.
لكن يمكن لكل واحد منا أن يبدأ بنفسه.
أن يهدأ قليلًا. أن يعتذر عندما يخطئ. أن يفسح الطريق. أن يحترم الكبير. أن يرحم الأضعف.
أن يتوقف عن تصوير مصيبة الآخرين لمجرد الحصول على المشاهدة. أن يفكر قبل أن يكتب كلمة جارحة.
أن يتذكر أن وراء كل شخص يراه أمامه قصة وحياة وأسرة ومشاعر.
فربما لا نحتاج إلى معجزة كبيرة حتى نستعيد شيئًا من إنسانيتنا.
ربما نحتاج فقط إلى أن نتذكر ما تعلمناه قديمًا قبل أن ننساه:
أن هناك أشياء لا نفعلها، ليس لأن القانون يمنعنا منها، وإنما لأننا نحترم أنفسنا ونحترم الآخرين.
وهنا أعود إلى السؤال الذي بدأنا به:
ماذا حدث لنا؟
ربما لم نفقد كل شيء.
وربما ما زال بداخلنا ذلك الإنسان الذي يعرف معنى الرحمة، والذوق، والاحترام، والاعتذار، وضبط النفس.
لكنه يحتاج فقط إلى أن نوقظه من جديد.
قبل أن يصبح الخطأ عاديًا، والعنف طبيعيًا، وقلة الأدب شجاعة، والاعتذار ضعفًا، والاحترام سذاجة.
فالمجتمع لا ينهار فقط عندما تزداد الجرائم، وإنما يبدأ في التآكل عندما يفقد أفراده إحساسهم بأن للآخر حقًا مثل حقهم.
ولعل أخطر ما نحتاج إلى استعادته اليوم ليس شيئًا كبيرًا...
نحتاج أن نستعيد «سقف السلوك» الذي كنا نعرفه، وأن نعيد إلى حياتنا كلمة كادت تختفي من قاموسنا: «عيب».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
