ليست كل المشروعات التى تُقاس بالمليارات هى الأكثر قيمة، فهناك مشروعات لا تُقدَّر أبدًا بالأرقام، لأنها تحفظ ذاكرة أمة، وتصون وجدان شعب، وتحافظ على تاريخ لا يمكن تعويضه إذا ضاع.
ومن هنا جاء اهتمام الرئيس عبد الفتاح السيسى بمشروع رقمنة تراث ماسبيرو، باعتباره أحد أهم المشروعات الوطنية فى تاريخ الإعلام المصرى، بل يمكن اعتباره بحق مشروع القرن على مستوى الإعلام.
مكتبة ماسبيرو ليست مجرد أرشيف لتليفزيون أو إذاعة، وإنما هى ذاكرة مصر الحديثة.
بين أرففها وصناديقها تعيش أصوات الرؤساء والزعماء، و حوارات مع كبار المفكرين و أهل السياسة و العلماء،كما أنها تضم إبداعات كبار المطربين والموسيقيين، وروائع الدراما، ووثائق الحروب والانتصارات، وأحداث صنعت وجدان المصريين والعرب لعقود طويلة.
إنها أكبر مكتبة إعلامية فى أفريقيا والعالم العربى، ومرجع ثقافى وعلمى وإعلامى لا تملكه دولة كثيرة.
ولعل ما يزيد من أهمية هذا المشروع أن الدولة تؤكد من خلاله أن الحفاظ على التراث لا يقتصر على الآثار والمعابد والمتاحف، بل يمتد أيضًا إلى التراث الإعلامى الذى وثق حياة المصريين بالصوت والصورة.
فكما نحافظ على الحجر، يجب أن نحافظ على الذاكرة.
ولا أنسى سنوات كان الإهمال فيها مؤلمًا إلى حد أن بعض شرائط ماسبيرو كانت تُلقى فى طرقات المبنى، فى مشهد لا يليق بقيمة هذا الكنز الوطنى.
كانت تلك الصور تجرح كل من يدرك قيمة ما تحتويه تلك الشرائط من تاريخ وإبداع، وكأن ذاكرة الوطن أصبحت بلا حارس.
واليوم تأتى الدولة لتغلق هذا الملف إلى الأبد، وتعيد الاعتبار لهذا التراث العظيم.
ويستهدف المشروع إنشاء قواعد بيانات رقمية منظمة ومفهرسة لحصر وتوثيق ما يقرب من مليون شريط صوتى ومرئى، بإجمالى نحو 800 ألف ساعة من المحتوى.
كما يعتمد على أحدث التقنيات لتحويل المواد من الوسائط التقليدية إلى ملفات رقمية عالية الجودة، داخل منظومة إلكترونية متكاملة تضمن سهولة الحفظ والاسترجاع، وتوفر أعلى درجات التأمين، مع الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى الفهرسة والإدارة والحفاظ على المحتوى.
ولذلك كان من المهم أن يطالب الرئيس عبد الفتاح السيسى بإعلان تفاصيل هذا المشروع للرأى العام المصرى والعالمى، لأنه ليس مشروعًا يخص مؤسسة إعلامية فقط، وإنما رسالة حضارية تؤكد أن مصر تدرك قيمة تاريخها، وتحسن صيانته وتوظيفه للأجيال القادمة.
غير أن نجاح المشروع لن يكتمل بمجرد الرقمنة والحفظ، فالقضية الأكبر هى كما يراها الرئيس كيف نعيد هذا التراث إلى الحياة.
فما قيمة مليون شريط محفوظ إذا ظل حبيس المكتبة؟
فالرئيس السيسى يهدف تقديم هذا الكنز للأجيال الجديدة بلغة العصر، عبر المنصات الرقمية، والتطبيقات الذكية، والوثائقيات، والمناهج التعليمية، ومنصات المشاهدة، حتى يصبح جزءًا من الوعى اليومى للشباب، لا مجرد أرشيف مغلق.
إن مشروع رقمنة 800 ألف ساعة من تراث ماسبيرو لا يقل فى أهميته عن مشروعات ترميم الآثار المصرية، فكلاهما يحفظ هوية الوطن؛ الأول يحفظ ذاكرته السمعية والبصرية، والثانى يحفظ ذاكرته الحجرية.
وإذا كانت الآثار تجذب العالم إلى تاريخ مصر القديم، فإن تراث ماسبيرو يقدم للعالم صورة مصر الحديثة، بثقافتها وفنونها وإعلامها وإبداعها.
ويبقى الهدف الأسمى هو أن يتحول هذا التراث من مادة محفوظة إلى قوة ناعمة متجددة، يعرف بها العالم مصر، ويكتشف من خلالها الشباب تاريخهم الثقافى والفنى والإعلامى.
فالأمم العظيمة لا تكتفى بحفظ ذاكرتها، وإنما تجعلها حاضرة فى المستقبل، لأن الشعوب التى تصون ذاكرتها... لا تفقد هويتها أبدًا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض