أوراق مسافرة
عودٌ على بدء، الوعى غالباً ما يكبد صاحبه ثمناً فادحاً من حياته، جهده، أعصابه، بل روحه، الشخص ذو العقل الواعى لا يغادر التفكير المنطقى والتحليل للتقييم واتخاذ القرارات، مهموم دائماً ولا يشعر بالأريحية فى تقبل الأشياء حوله على علاتها، يحمل على عاتقه هموم المجتمع، الوطن، بل العالم، والويل لأصحاب الوعى لو كانوا فى وطن يقوده نظام ديكتاتورى، أو نظام فاشل لا يدرك فشله ويدفع الوطن إلى الخراب والانهيار، نظام قمعى يعتمد على الترهيب لإسكات المعارضين وقمع الحريات المدنية والشخصية.
هنا يتحول الوعى إلى ما يشبه الوحش الذى يصارع صاحبه لعدم وجود مساحة رحبة فى الحياة المحيطة به لاحتوائه، فيصبح الوعى نقمةً وعبئاً ثقيلاً تتحول معها التفاصيل التى تبدو عادية للأخرين وتمر عليهم مرور الكرام إلى تجارب مؤلمة ومرهقة ذهنياً وعاطفياً، ويزداد الضغط النفسى والإنهاك الجسدى عندما يكون الوعى مفرط اليقظة لأنه لا يتوقف عن محاولة معالجة كل فكرة، توقع، كل رد فعل، تحليل النوايا، رصد الأحداث، السعى للتغيير، الاصطدام بالواقع الذى يحد انطلاق قدراته على إحداث هذا التغيير أو يحجم تأثيره، ما يخلق استنزافاً للطاقة ينعكس على صاحبه بالأرق، القلق المزمن، الضغط العصبى.
الأنظمة الديمقراطية تركز على الاستفادة ممن يتمتعون بوعى عالٍ لأنهم هم القادرون على قيادة قاطرة الوطن إلى التقدم، التنمية، الأمان والسلام، قادرون على اتخاذ قرارات صائبة أكثر اتزاناً، فهم يعرفون ما يريدون، ويدركون دوافعهم الحقيقية، ويستطيعون التفريق بين الرغبات اللحظية والأهداف طويلة المدى، لأنهم لا يتهربون من التحديات، بل يواجهونها بأدوات نفسية قوية لأن الوعى يكسبهم تلك المهارات الحياتية التى تجعلهم أقوياء قادرين على إدارة المهام بحنكة وذكاء لتحقيق أفضل النتائج.
لذا تستثمر الأنظمة الديمقراطية فى أصحاب الوعى بوضعهم على سدة القيادة والإدارة وكافة المؤسسات الأخرى الداعمة لأركان الدولة والمعنية بالسياسة، الاقتصاد، الدين، الثقافة، الفن وغيرها للاستفادة منهم ومن أفكارهم وإدراكهم، وهو ما يؤثر إيجاباً وبصورة كبيرة على مدخلات المجتمع ويفرز نتائج هائلة تنعكس على كل مناحى التقدم والتنمية والرقى الحضارى بالدولة.
وعلى النقيض من هذا، فى مجتمعات الأنظمة الديكتاتورية، تضيق هذه الأنظمة بأصحاب الوعى وتعتبرهم خطراً على النظام، يتم محاصرة هؤلاء، التنكيل بهم، إقصائهم عن المراكز والمناصب الهامة لتجنب تأثير وعيهم فى إحداث يقظة وطنية، سياسية، اقتصادية، ثقافية، مجتمعية بين العامة وتبصيرهم بحقوقهم، وإحياء القيمة والمثل العليا والأخلاق وتكريس الهوية، فيتم الزج بهؤلاء فى السجون إذا ما ارتفعت أصواتهم بمطالبات التغيير لصالح المواطنين وتقديم الأطروحات لهذا التغيير، بل ويتم تصنيفهم على أنهم من المعارضين الخونة أعداء الوطن الساعين لتخريبه.
وأمام القمع والعنف والمصادرة والتهميش والنفى الداخلى القسرى، كثيراً ما يلجأ أصحاب الوعى إلى العزلة عن المجتمع أمام الإحباطات المتتالية التى يواجهونها ليس فقط من النظام وزبانيته بل أيضاً من مغيبى الوعى السائرون كالقطيع فى الظل ويخشون شمس الحقيقة بل لا يقبلونها على غرار أهل الكهف فى قصة «إفلاطون» الذين حاولوا قتل من استرد الوعى بينهم وبصرهم بالواقع واعتبروه عدوهم لأنه غادر كهفهم المظلم وعرف الحقيقة.
هنا يبدأ الوعى فى قيادة صاحبه لجلد الذات، ليس إزاء أخطائه بل إزاء أخطاء الآخرين خاصة من المسئولين، فيظل يراقب، يناقش، يجادل، يطرح الحلول، وحين لا يجد أذاناً تسمع له وإرادة وطنية تنفذ ما يقوله لحل مشاكل الوطن النوعية، ينكفئ على ذاته وينطوى ليعانى خيبة أمل وحالة نفسية عظيمة السوء.
لذا يعيش أغلب أصحاب الوعى مع مشاعر الإحباط والعزلة، يعانون الاغتراب داخل مجتمعاتهم، يتجنبون رويداً رويداً التعامل مع محيطهم لعدم قدرة الآخرين على مجاراة أفكارهم أو تفهم عمق تحليلهم للأمور، أو حتى مساعدتهم فى تحقيق مبتغاهم من التغيير الإيجابى ولو على أضيق الحدود داخل مجتمعه الصغير، تزداد عزلته مع عدم قدرته على تقبل عيوب من حوله، فشلة فى تحقيق المثالية يدمره ويجعل فى جلد ذاتى مستمر، مما يفقده السلام الداخلى مع نفسه، فيصاب كثيرون منهم بالأمراض النفسية بل منهم من يصل إلى مرحلة الجنون.
مع العزلة يستسلم البعض لليأس والإحباط والمرض النفسى، فيما يحاول أخرون إيجاد أى منفذ للتنفيس عن أنفسهم داخل الأنظمة القمعية باللجوء إلى الرمزية فى التعبير أو فى اللجوء لكتابة الأدب، الفن، للتخفيف من هذا العبء النفسى المحبط الذى من الممكن أن يوجه وعيهم ويحوله لمصدر ضرر لأنفسهم ولمن حولهم، ويكون هذا بمثابة تفريغ لأفكارهم ومشاعرهم فى نصوص أو فنون، وهو توجيه بناء مقبول أفضل من العزلة والإحباط وتدمير النفس وكراهية كل ما حولهم.
لذا أصحاب الوعى ليسوا فى نعيم، بل فى جحيم من الصراع الحياتى إذا ما ابتلوا بالعيش تحت حكم أنظمة قمعية تخشى العلم،الفكر، الرأى الحر، وتعتبر أصحاب التنوير والإصلاحيين أعداء الوطن، عندها سيكون أى شخص بسيط يأكل ويشرب ويتناسل وينام ولا يهمه إلا قوت يومه وإن تحصل عليه بالذل دون أدنى اعتراض، هذا الشخص سيكون هو الأسعد حالاً وليذهب أصحاب الوعى إلى جحيم تمردهم ورغبتهم الجنونية فى التغيير للأفضل، لأن هناك من لا يريدون لأوطانهم أى تغيير للأفضل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض