أوراق مسافرة
أعترف بأننى غيورٌ جداً على كل من أحبهم، من منطلق فهمى أن الغيرة فى الحب هى دليل قاطع على صدق المشاعر وليست شعوراً بالملكية، بل نبضات قلب تخشى فقدان تشوه، ضياع من نحب، إنها ذلك المزيج الساحر بين الخوف العميق والتعلق الشديد، غيرتى على مَن أحبهم ليست غيرة سلبية تسجنهم فى صورة نمطية داخل إطار مغلق أمام عينى ولا بين قضبان أضلعى، بل هى غيرة إيجابية موجهة كى يكونوا الأفضل، الأرقى، الأبعد عن كل ما يسىء لهم ولصورتهم ليس أمامى فقط بل أمام كل من يراهم، لست أبتغى الكمال فى البشر فالكمال لله وحده، ولكن أحاول جاهدة أن أرى من أحبهم فى أبهى صورهم لا تحيطهم شبهات، شوائب تعكر نقاءهم، لذا أنا غيورٌ جداً على مصر لأننى لا أحبها فقط بل أعشقها وأتمنى أن أراها أجمل بلد فى العالم وقد غادرها القبح،الفساد، الفقر، الإهمال، التراخى فى العمل والإنجاز و كل ما يسىء لها عن قصد أو جهل من أهلها.
غيورٌ على أبناء بلدى، خاصة الجنس الناعم وأشتعل غضباً كلما وجدت إحداهن متورطة بشكل أو بآخر فى أى أمر يسىء للمرأة، يشوهها، يفقدها قيمتها التى كرمها الله فى كتابه العزيز، متورطة فى أمر يسلط عليها الأضواء الحارقة ليكشف جانباً مظلماً فيها ويشعلها كسيجارة تتلذذ بها شفاه النميمة وتلوكها الألسنة بالحكايات الذميمة ويلقى بقاياها لتدهسها الأقدام مع كل الإدانة.
أغار على بنت بلدى وأتمنى أن تغادر عن حق صورتها النمطية القديمة التى لا يزال يسجنها بداخلها حتى الأن مجتمع ذكورى النزعة كخادمة منزل، وعاء لتفريغ الشهوة ومصدر لإثارة الفتن وغرائز الرجال، وهى صورة للأسف لا يزال الإعلام يكرسها حتى فى صورته الحديثة والمتطورة وكأنه شبه مغيب ويكرسها أيضاً فن غالباً موتور مسطح يقدم المرأة فى صورتها القديمة النمطية دون وعى حقيقى بالمتغيرات.
ولا أعنى فى المقابل أن تغادر المرأة أنوثتها، نعومتها تتنمر على طبيعتها وعلى أدوارها فى الحياة ككيان يمثل نصف المجتمع وركيزة أساسية فى بناء الأسرة وصناعة الأجيال على الخلق والدين، بل أعنى هنا التركيز على أدوارها فى المساهمة الفاعلة فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وإثبات كفاءتها فى كافة مجالات العمل لدعم الاقتصاد الوطنى وتحقيق الاستقلال المالى ومشاركة الرجل فى أعباء الحياة.
وسمعنا كثيراً عن كلمة تمكين المرأة من القيادة السياسية، نعم تم تمكين المرأة فى العديد من المؤسسات والمراكز، وزيرة، برلمانية، سفيرة، قاضية، تمثيل دبلوماسى، فى مجلس الدولة والنيابة العامة، كل هذا جيد ونماذج مشرفة رغم ضآلة الأعداد، ولكنى أتحدث هنا عن صورة المرأة فى القاعدة الشعبية العريضة والتى لا تزال منقوصة، مشوهة مهدرة الحق، بل إن بعض النسويات يشوهن صورة المرأة بأنفسهن بالجنوح إلى الشذوذ الفكرى والأخلاقى اعتقاداً منهن أن هذا هو التطور والتحضر والتغيير المطلوب للمرأة، أن تتمرد على مجتمعها بالباطل، أن تخرب البيوت بدعواتها النشاز، أن تطأ بقدميها الدين والأخلاق، وتسقط عنها ورقة توت الحياء الذى هو أجمل ما يميز المرأة.
وهنا أوجه الإدانة لوسائل الإعلام وللفن السينمائى والتليفزيونى والذى لم يغادر منطقة الظلال بل قل الظلام فى تقديم المرأة المصرية فى صورة تتراوح بين الوحشية وإثارة الفتن والغرائز وكمصدر للغواية والخيانة والسقوط الأخلاقى تارة وبين كونها «الضحية» أو «الضعيفة» فى محيطها الاجتماعى، أو التى تعمل فى أسفل السلم الوظيفى فى مجالات تقليدية، ولا يختلف هذا كثيراً فى تقديم صورة المرأة على هذا النحو أيضاً فى الأعمال الأدبية دون الانتباه الحقيقى إلى تصحيح صورتها النمطية السلبية من الاستضعاف أو الاستهلاك والانتقال معها إلى ما صارت تمثله على أرض الواقع من أدوار قيادية، علمية، واجتماعية عبر إبراز إنجازاتها الحقيقية، وتبنى خطابات إعلامية بناءة تتجاوز القوالب الجاهزة، لتشكيل وعى جماهيرى يحترم مكانتها الحقيقية والمؤثرة.
وأقارن بحكم تواجدى كثيراً فى أوروبا بين الإعلام والفن الأوروبى وتقديمه لصورة المرأة لديهم وبين إعلامنا وفنوننا وتقديمها لصورة المرأة لدينا، وأجد فارقاً شاسعاً بين الاثنين.
فى السينما والمسلسلات الأوروبية تغيرت صورة المرأة من كونها «أيقونة للجمال الخارجى» و«ربة منزل» فى الأعمال الكلاسيكية، إلى امرأة مستقلة فاعلة حيث تظهر المرأة كسياسية، ومفكرة، وعاملة مستقلة تقود التغيير، وتم إبراز المرأة بقوة كإعلامية، ومقدمة برامج، وصحفية فى كبرى القنوات الأوروبية، ما عكس صورتها على المجتمع بشكل إيجابى هائل كعنصر قيادى مؤثر فى الرأى العام، بل يقوم الفن ويسانده الإعلام بدور كبير فى مواجه صورتها النمطية ومحاربة الضغوط التجارية والتسويقية التى يمكن أن تجذب المرأة نفسها بتحويلها إلى سلعة تجارية بجسدها فى إعلانات معايير الرشاقة والجمال وأدوات التجميل والأزياء، وكأداة جذب ترويجية، وتنشط فى هذا الإطار الحركات النسوية والتشريعات الأوروبية فى محاولة مستمرة لحماية المرأة من الاستقطاب التجارى والتسليع الجسدى.. وللحديث بقية.
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض