أرشيف الدم: رصاص السياسة
اغتيال أمين عثمان.. رصاصات "الرابطة الوطنية" التي طاردت وزير المالية "حوادث زمان"
في مساء يوم 5 يناير عام 1946، اهتز حي "قصر العيني" الراقي على وقع دوي رصاصات استهدفت "أمين عثمان باشا"، وزير مالية مصر السابق ورئيس جمعية "رابطة النهضة".
كشفت ملابسات الواقعة عن مخطط نفذته مجموعة من الشباب الوطني المتحمس (الجمعية السرية)، لتسجل دفاتر حوادث زمان واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، حيث كان شعار الضحية "زواج مصر وإنجلترا زواجا كاثوليكيا" هو الحكم بالإعدام الذي وقعه عليه القتلة في أرشيف الدم.
بدأت المأساة أمام مقر "رابطة النهضة" حينما كان أمين عثمان باشا يهم بالدخول بدم بارد ضمن حوادث زمان، واتبع القاتل "حسين توفيق" أسلوبا مباغتا؛ حيث تربص له عند مدخل الرابطة، وبمجرد ظهور الباشا، أفرغ في جسده عدة رصاصات من مسدسه.
واعتمدت المجموعة المنفذة على خطة "الهروب المنظم" عبر شوارع قصر العيني، وأنهى الغدر حياة الرجل الذي كان يعد الذراع اليمنى لبريطانيا في مصر.
وبحثت أجهزة الأمن بوزارة الداخلية عن "الرأس المدبر"، وسجلت محاضر الشرطة في ذلك الوقت أن الباشا لفظ أنفاسه الأخيرة وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة، لتنفجر قضية حوادث زمان المريرة تحت مسمى "قضية الاغتيالات السياسية الكبرى".
تطورت الملاحقة الأمنية بشكل درامي حينما بدأت خيوط التحقيق تشير إلى وجود "تنظيم سري" يضم ضباطا ومدنيين بحوادث زمان، ورصدت التحريات الأمنية أن المتهم الأول "حسين توفيق" قاد مجموعة كانت ترى في أمين عثمان "خائنا" للقضية الوطنية.
وشكلت النيابة العامة فريق تحقيق اصطدم بأسماء مفاجئة، كان أبرزها "أنور السادات" (الضابط المسرح من الخدمة آنذاك)، واستخدمت الشرطة اعترافات بعض المقبوض عليهم لتفكيك شيفرة “الجمعية السرية”.
وسجلت المعاينات الفنية أن الاغتيال نفذ بأسلوب "تصفية الحسابات" وليس لمجرد السرقة، وبقت واقعة اغتيال أمين عثمان هي الجريمة التي مهدت الطريق لسقوط العهد الملكي لاحقا ضمن حوادث زمان الغامضة.
اعترافات "الزنزانة 54" وسر الهروب الكبير
كشفت كواليس التحقيقات في "سجن الأجانب" عن تفاصيل مذهلة في حوادث زمان، واعترف المنفذون بأنهم كانوا يهدفون لتطهير مصر من "أذناب الاحتلال" بدم بارد، وروى "حسين توفيق" للمحققين كيف تم رصد تحركات الباشا لأسابيع، واستخرج رجال المباحث أسلحة ومنشورات تحريضية من مخابئ سرية في حوادث زمان الغادرة.
وسجلت النيابة في مذكراتها أن "أنور السادات" قضى في السجن فترة طويلة كمتهم بالتحريض والاشتراك، قبل أن تسفر المحاكمة عن هروب "حسين توفيق" في واقعة غامضة وبراءة السادات من تهمة القتل مباشرة، لتكتمل فصول واحدة من أعقد قضايا الاغتيال في أرشيف الدم.
حكم القضاء وتداعيات "الرصاصة السياسية"
أصدرت محكمة الجنايات أحكاما متفاوتة بالسجن على أعضاء التنظيم في حوادث زمان، بينما ظل مقتل أمين عثمان جرحا نازفا في علاقة القصر بالقوى الوطنية.
وفي صبيحة يوم الحكم، سجلت التقارير حالة من الغليان الشعبي حيث اعتبر الكثير من الشباب أن القتلة "أبطال"، واقتادت أجهزة الأمن المدانين إلى محابسهم، وحضر جلسات المحاكمة أساطين المحاماة في مصر.
واعتبر القانونيون أن القضية كانت "محاكمة للمواقف" قبل أن تكون محاكمة للرصاص، وبقت قصة أمين عثمان تذكر الجميع بأن الكلمات في السياسة قد تكون أشد فتكا من الرصاص في حوادث زمان.
أثر "اغتيال المهندس" في أرشيف الدم
تسببت قصة مقتل أمين عثمان في تغيير خريطة التحالفات السياسية بين الوفد والإنجليز بحوادث زمان، وبحث المؤرخون في كواليس كيف أثر هذا الاغتيال على نفسية الملك فاروق الذي بدأ يخشى على نفسه من التنظيمات السرية.
وخصصت بوابة الوفد في مراجعاتها الوثائقية ملفات عن "تاريخ الرصاص السياسي"، وبقت ذكرى أمين عثمان تذكر الجميع بأن "التحالف مع الأجنبي" ثمنه فادح في بلد يغلي بالوطنية، وصنفت حوادث زمان هذه الجريمة كأبرز عملية اغتيال لوزير في الأربعينيات، ليبقى اسم أرشيف الدم شاهدا على أن التاريخ يكتب أحيانا بالبارود.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض