رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

لغوياً، الفارق كبير ما بين «التناسى» و«النسيان»، رغم أن الأصل واحد، وهو فعل نسى، الفعل تناسى على وزن تفاعل يعنى التظاهر بالنسيان أو التغافل المتعمد. فنقول: «تناسى العالم القضية» أى أهملها، وتجاهلها عمداً أو مع الوقت تراجعت لمصلحة قضايا كبرى فى مقدمتها الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران. أما الفعل نسى — ينسى، فيعنى الغياب الحقيقى عن الذاكرة أو الوجدان. وعندما نقول لم تنسها مصر، أى أن غزة حاضرة باستمرار فى الوعى المصرى رسمياً، وشعبياً، وسياسياً وإنسانياً. حاضرة فعلاً، وقولاً.

وسط هذا التراجع الواضح فى الاهتمام الدولى بالوضع والأزمة فى غزة، تبقى مصر، قيادة وشعب، الطرف الأكثر التصاقاً ومسئولية بملف غزة، ليس فقط بحكم محددات التاريخ والجغرافيا، والمسئولية القومية، وإنما بحكم إدراكها العميق أن ما يحدث فى غزة لا يتوقف عند حدود العمل الإنسانى أو الوساطة السياسية، بل يمس بصورة مباشرة الأمن القومى المصرى والاستقرار الإقليمى ومستقبل القضية الفلسطينية نفسها، لذلك فى خضم انشغال العالم بالحرب الإيرانية، وما يتصل بها من أحداث وتداعيات لا تزال حاضرة وممتدة حتى تاريخه، كانت مصر والقيادات والمؤسسات رفيعة المستوى بها تتحرك لمنع انهيار اتفاق غزة الموقع فى شرم الشيخ فى أكتوبر 2025، ومنع إسرائيل من فرض ترتيبات أحادية من شأنها تكريس فصل غزة نهائياً عن القضية الفلسطينية بما يجهض حلم دولة فلسطينية مستقلة لاحقاً، وهذا هو الهدف الرئيسى لحكومة اليمين المتطرف فى إسرائيل التى تعمل على مدار الساعة لإجهاض وإفساد وعرقلة أى مفاوضات وتسوية.

تدرك القاهرة أن أخطر ما قد تفرزه المرحلة الحالية لا يتمثل فقط فى انهيار الاتفاق والهدنة وعودة الحرب من جديد داخل قطاع غزة، وإنما فى فرض واقع سياسى وأمنى جديد يعيد تشكيل القطاع تدريجياً إلى مجموعة من الكانتونات المعزولة والمجزأة، تخضع كل منها لترتيبات أمنية وإدارية مختلفة، تحت عناوين ظاهرها إنسانى، لكنها فى باطنها تحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية شديدة الخطورة، ومن هنا تنظر مصر بقدر كبير من الحذر إلى ما يطرح بشأن «الخطط البديلة» وإدارة أجزاء من غزة خارج سيطرة حركة حماس، خشية أن يقود ذلك إلى تكريس تقسيم فعلى للقطاع، أو خلق واقع أمنى دائم ومفتوح على حدودها الشرقية، أو دفع السكان مرة أخرى نحو نزوح تدريجى يعيد إنتاج سيناريوهات التهجير بصورة غير مباشرة، فضلاً عن تعميق الانفصال السياسى والجغرافى بين غزة والضفة الغربية، بما يهدد فى النهاية فكرة الدولة الفلسطينية نفسها، ويفتح الباب أمام تصفية تدريجية للقضية الفلسطينية تحت وطأة الأمر الواقع.

لذلك كان التدخل المصرى حاسماً على ورقة المبعوث السامى لمجلس السلام الدولى نيكولاى ملادينوف- التى تهدف لنزع سلاح الفصائل الفلسطينية فى غزة وإعادة الإعمار- فى نقاط محورية تهدف إلى تعديل المقترح، ليكون أكثر واقعية وقبولا، كما ركز التدخل المصرى على دمج بنود الإغاثة الإنسانية العاجلة، ووقف إطلاق النار الشامل كأولوية قبل أو بالتزامن مع مفاوضات نزع السلاح، لضمان عدم انهيار الهدنة. أصرت مصر فى تدخلاتها على أن نزع السلاح يجب أن يكون جزءاً من حل سياسى شامل كما تنص بنود خطة سلام أكتوبر 2025، بما فى ذلك انسحاب إسرائيل الكامل، وذلك لضمان استمرارية التهدئة وتنفيذ الاتفاق. لذلك مرة ثانية، وثالثة ومليون، الدور المصرى لا غنى عنه ولا بديل له.