أوراق مسافرة
أكمل معكم حديثي حول الذكاء الاصطناعي وكيف بدأت فكرته عبر التاريخ، تناولت في مقالي الماضي كيف أن أساطير الإغريق - أو لعله تاريخهم الحقيقي - كانت أول من وردت به فكرة الذكاء الاصطناعي، من خلال روبوتات على شكل خادمات من الذهب صنعها إله النار والحدادة الإغريقي "هيفايستوس"، وفيهن عقل وفهم ولهن صوت بشري، وذلك وفقاً لمخطوطاتهم، ليساعدنه في الورشة التي كان يديرها وفي قضاء أموره الصعبة، وختمت بقصة النحات بجماليون الذي نحت تمثالاً لامرأة، وكيف أحب تمثاله ودعا آلهة الحب أن تمنحه الروح فحدث له ما تمنى، لتكون ثاني فكرة تاريخية حول وجود إنسان آلي أو مصنوع.
وأصل هنا إلى الحقبة الثانية من تاريخ الذكاء الاصطناعي، وهي مرحلة الجزري، والجزري هو بديع الزمان أبو العز إسماعيل بن الرزاز الجزري (1136-1206م)، لُقّب بـ "الجزري" نسبة لمنطقة الجزيرة في مدينة آمد - ديار بكر - الواقعة بين دجلة والفرات، ومكانها حالياً في جنوب تركيا على حدود سوريا، كانت جزءاً من العالم العربي الإسلامي آنذاك، لذا تصنفه معظم كتب التاريخ على أنه عالم من علماء الحضارة العربية الإسلامية، وكانت معظم كتاباته بالعربية وثقافته ولغته عربية أيضاً، وُلد عام 1136م في كنف الدولة الأرتقية ومات عن عمر ناهز السبعين عاماً، وكان يعمل كبير مهندسيها- وسُميت الدولة الأرتقية نسبة إلى مؤسسها أرتق بن أكسب التركماني في القرن الحادي عشر الميلادي، وحكم هو وأولاده شرق الأناضول وشمال العراق وشمال الشام حوالي 300 سنة- وقد اشتهرت الدولة الأرتقية بتشجيع العلم والعمارة، ولهذا لقي الجزري رعاية لديهم.
وورد الحديث عن الآليات في مخطوطة كتبها الجزري عام 1206 بأمر من الملك الأرتقي، وحملت اسم "الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل" وجاء فيها ما يشبه الخوارزمية الميكانيكية التي تعتمد على المبدأ العلمي "إذا حصل كذا، فافعل كذا"، وهو نفس منطق البرمجة اليوم. فالجزري لم يكتب نظريات مجردة، بل قدم كتالوجاً من 100 آلة مرسومة بالألوان كأنه كتاب تصميمات هندسية شديد التبسيط، وكان أهم ما في التصميمات الإنسان الآلي الأول، حيث صنع فرقة موسيقية من 4 روبوتات تجلس في قارب وتدق الطبول وتعزف المزمار لوحدها بينما الماء هو من يحركها.
كما صمم عمود الكامات، وهو عمود يحول الحركة الدائرية إلى حركة طرق، وهو عبارة عن عمود دوّار عليه نتوءات بارزة تسمى الحدبات أو الكامات، فكرته عبقرية وبسيطة: يحول الحركة الدائرية المستمرة إلى حركة ترددية خطية ذهاباً وإياباً، عندما يدور العمود، تضغط النتوءات على جزء آخر يسمى "التابع" فيتحرك للأمام والخلف بتوقيت دقيق جداً.وجوهر هذا الاختراع هو نفسه "دماغ المحرك" الموجود اليوم في كل سيارة وقطار، يتحكم في فتح وإغلاق الصمامات، وقد ظهر في أوروبا فقط في القرن الـ 14، أي بعد الجزري بـ 200 سنة.
كما اخترع الجزري ساعة الشموع المتطورة وتعد أول ساعة روبوت، وفكرتها بسيطة وعبقرية، كانت عبارة عن شمعة كبيرة تحترق بمعدل ثابت، طولها مقسم إلى درجات، كلما نقصت درجة قُدّر ذلك بمرور ساعة، ثم جاء الجزري وطورها: وضع الشمعة داخل فانوس زجاجي حتى لا يغير الهواء من سرعة الاحتراق، ووضع تحتها طبقاً صغيراً مربوطاً بخيط رفيع يلتف لأعلى حول بكرة، كلما احترقت الشمعة ونقصت، خف وزن الطبق فارتفع الخيط ودارت البكرة وحركت معها عقرباً على لوحة أرقام خارجية، وعلى جانب الشمعة يوجد مجرى صغير به كرات حديدية صغيرة، كلما وصلت الشمعة إلى خط (أي مرت ساعة)، مال الطبق قليلاً ودفع كرة فتقع وتدق جرساً صغيراً فيُعرف أن ساعة قد مرت.، وكانت دقيقة جداً وتُستخدم في المساجد لتحديد أوقات الصلاة ليلاً.
أما ساعة القلعة التي اخترعها الجزري، فتعد أول كمبيوتر تناظري قابل للبرمجة.، ارتفاعها حوالي 3.4 متر، ولم تكن مجرد ساعة، بل مرصد فلكي كامل يعرض الأبراج الفلكية الاثني عشر ومدارات الشمس والقمر، وبها ابتكارات مبهرة: مؤشرها على شكل هلال قمر يتحرك فوق بوابة القلعة بعربة مخفية، وكل ساعة يُفتح باب أوتوماتيكياً ويظهر منه مجسم إنسان مختلف، وهي قابلة لإعادة البرمجة، إذ يمكن تغيير طول النهار والليل فيها حسب الفصول على مدار السنة.
والفرق بين الساعتين أن ساعة الشموع كانت للاستخدام المنزلي والديني البسيط ليلاً، بينما ساعة القلعة كانت ساعة دولة ومشروعاً عملاقاً يبين قوة الهندسة وعلم الفلك والروبوتات عند المسلمين قبل أوروبا بـ 300 سنة، فالجزري أول من جعل آلاته تعمل بشكل أوتوماتيكي بدون تدخل بشري، ولهذا يُلقب بـ "أبو الروبوتات".
كما اخترع الجزري ساعة الفيل وهي أول ساعة روبوتية عملاقة تعمل بالماء، الساعة ضخمة على شكل فيل، داخل بطنه وعاء عائم فيه ثقب صغير، يمتلئ ببطء ويغرق خلال نصف ساعة بالضبط، حين يغرق يزداد ثقله فيسحب سلسلة، والسلسلة تُسقط كرة حديدية في فم أفعى، فتميل الأفعى للأمام لثقل الكرة، ومع ميلها يتحرك تمثال سائق الفيل فوق القبة التي على ظهر الفيل ويرفع يده وبجانبه طائر فينيق يدور، ويضرب الطبل لتسمع صوت مرور نصف ساعة، ثم تعود الكرة لتفرغ الوعاء وتبدأ دورة جديدة.
وتشير كتب التاريخ إلى أن الجزري صمم ساعة الفيل بهذه الرموز لتشير للتعددية الثقافية في عصره: الفيل يمثل الهند وأفريقيا، والتنين يمثل الصين، وطائر الفينيق يمثل مصر الفرعونية، والماء يمثل اليونان، والعمامة فوق القبة تمثل الحضارة الإسلامية، ورغم أن النسخة الأصلية التي صنعها في آمد ضاعت بتقادم الزمن، فقد صُممت حديثاً نسخ طبق الأصل منها بناءً على رسوماته، منها نسخة كاملة بالحجم الطبيعي في مول ابن بطوطة في دبي، ونسخة أخرى في متحف العلوم والتكنولوجيا الإسلامية في فرانكفورت بألمانيا، وثالثة في سويسرا ورابعة في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية.
ومن مرحلة الجزري أنتقل بكم إلى المرحلة التاريخية الثالثة لصناعة الروبوت، وهي مرحلة آلان ماثيسون تورنغ، عالم الرياضيات البريطاني، الذي قام في الحرب العالمية الثانية بكسر شفرة النازيين السرية "إنجما" وأنقذ حياة الملايين حسب المؤرخين.
وُلد في لندن عام 1912 ومات عام 1954 عن 41 عاماً،المعادلة التي تراها دائماً على سبورة تورنغ ليست معادلة أرقام، بل هي آلة وهمية اسمها "آلة تورنغ" كتبها عام 1936 وعمره 24 سنة، وسأبسط ما فعله: تخيل شريطاً طويلاً من الورق مقسماً لمربعات، وكل مربع فيه 0 أو 1، وفوقه قلم يقرأ ويكتب انطلاقاً من ثلاث قواعد فقط: اقرأ ما تحت القلم، اكتب شيئاً جديداً مكانه، تحرك خطوة يميناً أو يساراً، وبهذه القواعد البسيطة أثبت تورنغ أنه يستطيع أن يحسب أي شيء قابل للحساب في الكون، ثم كتب سؤاله المرعب على السبورة: "مسألة التوقف: هل يمكن لآلة تورنغ أن تتنبأ إذا كانت آلة تورنغ أخرى ستتوقف عن العمل يوماً ما أم ستظل تعمل للأبد؟" وكان جوابه الصادم: لا، مستحيل.
أي أن هناك أشياء لن يستطيع الكمبيوتر أبداً أن يعرفها، حتى لو كان أذكى كمبيوتر في العالم، وهذه هي حدود الذكاء الاصطناعي حتى اليوم، الخلاصة هي أن الجزري قال: كيف أصنع جسداً يتحرك وحده؟ وتورنغ قال: كيف أصنع عقلاً يفكر وحده؟ الأول صنع اليد، والثاني صنع الروح، وعندما التقيا بعد 700 سنة، وُلد الروبوت الذي نراه اليوم... وللحديث بقية..
فكرية أحمد
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

