رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة


 

تناولت في المقال السابق الجدل الدائر حول من يروجون لفكرة بيع قناة السويس أو تأجيرها، وأكدت بحُكم القانون والدستور استحالة البيع، كما طرحت الفكرة التي ينادي بها بعض الاقتصاديين بمنح حق الانتفاع لمستثمر أجنبي، وناقشت مخاطرها.
وأواصل هنا بطرح بديل يتمثل في دخول مستثمر أو شريك مصري بدلاً من الأجنبي في إطار "حق الانتفاع" لمدة تتراوح بين 20 إلى 30 عاماً، والفارق بين الشريك المصري والشريك الأجنبي، هو أن المستثمر المصري 
يستثمر بالجنيه، وتبقى أرباحه داخل مصر، هدفه الربح وفي نفس الوقت خدمة السوق المحلي وتحقيق الاستقرار، وهو غالباً ما يعتمد على تكنولوجيا محلية أو مستوردة، وعلاقاته محلية، لا يخضع لضغوط سياسية خارجية، ويصعب عليه الخروج المفاجئ من السوق.
في حين أن المستثمر الأجنبي يستثمر بالدولار، وتُحوّل أرباحه إلى الخارج، هدفه الربح والتوسع العالمي وفتح أسواق جديدة، غالباً ما يجلب تكنولوجيا حديثة، ويمتلك علاقات دولية وخطوط ملاحة عالمية، قد تستخدمه دولته كورقة ضغط، ومن السهل أن يسحب استثماراته عند الأزمات، وتتمثل مخاطر الشراكة مع الأجنبي في نزيف العملة الصعبة، فقد يدخل مليار دولار ويُخرج 3 مليارات سنويا على سبيل المثالي وعلى مدار 20 عاماً أرباحاً وفوائد، بجانب خطورة الاحتكار، من خلال سيطرة شركة عالمية تابعة للمستثمر الأجنبي على القناة، بما قد تمكنها من فرض الأسعار ومنع المنافسة والهروب وقت الأزمات، وسيكون أول من يسحب استثماراته عند الحروب أو الأزمات الاقتصادية.
يضاف لذلك مخاطر سيادية وأمنية من خلال التحكم في أولوية دخول السفن وإدارة التشغيل، وتسريب بيانات التجارة والبضائع والسفن باعتبارها معلومات قومية حساسة، التبعية التكنولوجية، والحاجة للاعتماد على الشركة الأجنبية في التشغيل حتى بعد انتهاء التعاقد، بجانب المخاطر القانونية، فأي نزاع سيُحسم في التحكيم الدولي خارج مصر وبغرامات قد تصل لمليارات، بجانب إمكانية تضمن العقد لشروط مجحفة من إعفاءات ضريبية وجمركية لعقود طويلة تحرم الدولة من الاستفادة.
أما مخاطر الشراكة مع المستثمر المصري فها أقل ، خاصة المخاطر السيادية، لكنها موجودة، وتتمثل في قلة الخبرة والتمويل مقارنة بالأجنبي، عدم امتلاك خطوط ملاحية عالمية، احتمال الفساد والمحسوبية في إتمام الشراكات، ضعف القدرة على جذب التصدير والأسواق الخارجية الكبرى.
هنا يأتي السؤال، متى نختار أيهما؟ نختار المستثمر الأجنبي عندما نحتاج سيولة دولارية كبيرة، وتكنولوجيا غير متوفرة، وخطوط شحن عالمية مثال محطات الحاويات في شرق بورسعيد والعين السخنة، 
ونختار المصري في المشروعات الخدمية والصناعات الصغيرة، وللحفاظ على الأرباح والعمالة داخل البلاد، الخلاصة هي أن الشراكة المختلطة أفضل نموذج ، فالشراكة بين مستثمر أجنبي يوفر التمويل والتكنولوجيا والسوق، ومستثمر مصري يضمن بقاء الأرباح والإدارة والعمالة في مصر، مع سيطرة كاملة للدولة على القرار الاستراتيجي، وهذا النموذج مطبق حالياً في بعض موانئ قناة السويس.
ونحن نبحث اطروحات الاستثمار الأجنبي أو المصري، علينا أن نفكر بجدية في خطة تطوير القناة بدلاً اللجوء للتأجير و حق الانتفاع كحل أول، بالفعل قناة السويس تحتاج اليوم إلى خطة تطوير حقيقية تزيد الدخل بدلاً من البحث عن حلول شراكة، وأرى أنها تنقسم إلى ثلاثة مراحل:
أولاً :مرحلة على المدى القصير من خلال جهود استعادة الثقة، منح خصومات ذكية تتراوح بين 15% إلى 20% للسفن التي توقع عقود مرور سنوية، فرض رسوم مخفضة للسفن الفارغة لزيادة عدد العابرين، تعزيز "الممر الآمن" بالتنسيق الدولي لتحفيز شركات التأمين على خفض قيمة بوالص التأمين.
ثانيا: مرحلة على المدى المتوسط من خلال تعظيم العائد من السفينة الواحدة، تحويل القناة إلى "مركز خدمات متكامل" من  تموين، صيانة، تغيير طواقم، خدمات بنكية وإنترنت، تفعيل الممر اللوجستي من مناطق صناعية في شرق بورسعيد والعين السخنة للتصنيع والتغليف وكسب الجمارك والضرائب وتوفير العمالة، رقمنة القناة في عمليات الحجز والدفع والتتبع الإلكتروني لتقليل زمن الانتظار من 11 ساعة إلى 6 ساعات.
ثالثاُ خطة المدى الطويل، وتتمثل في فك الارتباط برسوم العبور، إنشاء صندوق سيادي يستثمر أرباح القناة في موانئ وشركات لوجستية خارجية، التوسع في الطاقة الخضراء وتموين السفن بالأمونيا والهيدروجين الأخضر، لتكون مصر أول محطة تموين أخضر بين آسيا وأوروبا، بيع "الخدمات" وليس "الممر" من خلال مركز تدريب بحري عالمي، ومركز تحكيم منازعات بحرية، وبورصة لأسعار الشحن.
لذا من المحاذير التي يجب تجنبها على الإطلاق هو بيع الأصل لعدم قانونيته ودستوريته وهو خط أحمر سيادي ، ومن المحاذير أيضاً عدم رفع الرسوم المفاجئ، مما قد يؤدي لهروب السفن إلى طرق بديلة، وعدم الاعتماد على الحكومة فقط،  لابد من شراكة مع القطاع الخاص لضمان السرعة والكفاءة.
ولا يفوتني أن أتطرق هنا إلى  ملف العمالة والرواتب ، حيث يهمس البعض بأن أعداد الموظفين ورواتبهم تبتلع نسبة كبيرة من الدخل، إذ يبلغ عدد موظفي الهيئة قرابة 15 ألف موظف يشملون المرشدين والقاطرات والصيانة والإدارة، وبحسب البيانات المعلنة، بلغت مصروفات الهيئة في 2023/2024 نحو 4.4 مليار دولار، وصافي الإيراد حوالي 7 مليارات دولار قبل أزمة البحر الأحمر، وحتى بافتراض أن 30% من الدخل يذهب للرواتب، فالسبب الحقيقي لتراجع صافي الربح حالياً هو انخفاض عدد السفن بنسبة تجاوزت 50% بسبب أحداث البحر الأحمر.
لذا توجد عدة حلول بدلاً من التسريح للعمالة، و هو استخدام التكنولوجيا لتمكين نفس العدد من العمال من عبور سفن أكثر، تحويل بعض الإدارات إلى شركات ربحية تابعة للهيئة تعمل في السوق، وقف التعيين العشوائي والاعتماد على المعاش المبكر الاختياري، طرح بعض الشركات التابعة في البورصة لتعمل باستقلالية وتدفع ضرائب.
الخلاصة بالأرقام، إذا نجحت الخطة الثلاثية، يمكن رفع الدخل الصافي من 3.6 مليار دولار حالياً إلى 8 مليارات في 2026/2027، ثم إلى 10 مليارات في 2028/2029
والفرق أن نصف الدخل سيأتي من "الخدمات والصناعة" وليس من "رسوم العبور" فقط، وحينها ستصبح الرواتب أقل من 10% من الإيرادات، فالقناة ليست مجرد ممر مائي نأخذ عليه رسوماً، بل يجب أن تتحول إلى "اقتصاد كامل" على جانبيها، والبيع غير قانوني وغير دستوري ، لذا قد يكون الحل في استثمار مصري-أجنبي تحت إشراف كامل من الدولة، دون أي مساس بالسيادة أو الأمن القومي.
فكرية أحمد
[email protected]