رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافر


 

طاردتنا في الفترة الأخيرة معلومات رسمية عن خسائر قناة السويس، وفسر المفسرون أن ما يقال هو تمهيد لبيع أو تأجير القناة لمستثمرين عرب وأجانب، الأمر الذي أشعل المشاعر الوطنية المضادة لمثل هذا التصور، ليس فقط لأن قناة السويس حُفرت بدماء وأرواح أبناء مصر وبسخرتهم، ولكن لأن أي تفريط فيها تحت أي مسمى هو تفريط في جزء من سيادة مصر.
لذا وجدتني أبحث وراء الأرقام والمعلومات والحقائق حول وضع القناة حالياً: مكسبها، وخسائرها، ومناقشة أي أطروحات حول أي مستجدات للاستثمار فيها، ورصد ما ينجم عن تلك الأطروحات سلباً وإيجاباً.وكان السؤال الأول: هل قناة السويس حالياً تكسب وتحقق أرباحاً أم تخسر؟ الإجابة: القناة تحقق مكسباً لكن الدخل تأثر جداً بسبب توترات البحر الأحمر في آخر عامين. 
وبالأرقام الرسمية من هيئة قناة السويس نجد أن عدد السفن التي كانت تمر بالقناة قبل الأزمة عام 2023 سجلت أكثر من 26,000 سفينة، وانخفضت في عام 2024 إلى 13,213 سفينة فقط، وتواصل الانخفاض حتى بلغ 50% مع بداية فبراير 2026 ليبلغ عدد السفن 1,315 خلال الربع الأول من العام.يمر بالقناة ما يعادل حوالي 12% من التجارة العالمية، وقد انخفضت النسبة كما أسلفت التوضيح بالأرقام، وبالتالي انخفض الدخل السنوي بسبب تحويل السفن لطريق رأس الرجاء الصالح. 
وكان الدخل عام 2023 يبلغ 9.4 مليار دولار فيما الرقم القياسي المفترض الذي كان متوقعاً هو 10.25 مليار دولار، وبالتبعية انخفض صافي المكسب بعد خصم النفقات المطلوبة من مرتبات الموظفين والإدارات والتشغيل والصيانة ليبلغ عام 2024 إلى 3.991 مليار دولار، وتواصل انخفاض صافي المكسب عام 2025 إلى 3.6 مليار دولار.
ولكن لحسن الحظ ارتفع صافي المكسب نسبياً في العام الحالي ليصل إلى 4.6 مليار دولار فيما كانت التوقعات الطموحة تشير إلى تحقيق دخل يصل إلى 9 مليارات دولار، وهو بالطبع أمر مخيب للآمال لكنه لا يدفع وجوهنا إلى جدار الإحباط الكامل، لأن العام الحالي حقق ارتفاعاً نسبياً مقارنة بعامين ماضيين.نصل الآن إلى النفقات أي المصروفات التي تتطلبها القناة. 
وفقاً لآخر ميزانية معلنة عام 2025، بلغ إجمالي ميزانية دخل القناة 567.83 مليار جنيه وهو ما يعادل 12 مليار دولار، فيما بلغت المصروفات 204.9 مليار جنيه أي 4.4 مليار دولار، شاملة مرتبات الموظفين والإدارات والتشغيل والصيانة. أي صافي المكسب 214.5 مليار جنيه = 4.6 مليار دولار.
الخلاصة أن قناة السويس لا تزال تحقق مكاسب وليس خسائر، لكن الإيرادات انخفضت إلى النصف تقريباً، وبالطبع الأسباب معروفة على رأسها هجمات الحوثيين في البحر الأحمر منذ نوفمبر 2023 والتي دفعت شركات الشحن إلى الهرب لطريق أطول وأكثر تكلفة حول أفريقيا، وللأسف تحولت 3,395 سفينة بعيداً عن القناة.
ونصل إلى المخاوف التي تتردد حول وجود نوايا لبيع قناة السويس، وأؤكد هنا أنه لا يمكن بيع قناة السويس رسمياً، فالوضع القانوني لقناة السويس يؤكد أنها ملكية عامة للدولة المصرية 100% بموجب قانون هيئة قناة السويس رقم 30 لسنة 1975 وتعديلاته، أي القناة "مرفق قومي" سيادي ولا يجوز التصرف في أصولها بالبيع أو التملك للأجانب، وبيعها يعتبر تفريطاً في السيادة، والدستور والقانون يقولان إن القناة من الأصول التي لا يجوز التصرف فيها.
كما أنه بموجب اتفاقية القسطنطينية 1888 التي تنص على حرية الملاحة فيها تمنحها وضعاً خاصاً كممر مائي دولي وموقع استراتيجي لا يمكن بيعه لمستثمر يتحكم به، فقط ما يمكن حدوثه هو "مشاركة" وليس "بيعاً".وأطرح هنا كل السيناريوهات التي تدور حولها مخاوف المواطنين ويدركها العارفون بالأمور. السيناريو الأول: حق الانتفاع، ويعني إعطاء مستثمر أجنبي أو مصري حق إدارة وتشغيل جزء معين من القناة على غرار ما يحدث مع الموانئ أو المناطق اللوجستية أو الترسانات لمدة تتراوح ما بين 20-30 سنة مقابل عائد، فيما يظل الأصل ملك الدولة. 
السيناريو الثاني: الشراكة مع القطاع الخاص، أي يقوم مستثمر بتمويل وبناء مشروع جديد في نطاق القناة "عاصمة اقتصادية لقناة السويس" على سبيل المثال، ويقوم بتشغيلها لحسابه وبعد انقضاء المدة يعود المشروع للدولة المصرية، كما يمكن طرح شركات تابعة لقناة السويس في البورصة على غرار ما حدث مع "شركة قناة السويس للتكنولوجيا" التي أصبح لها أسهم يتم تداولها، لكن الهيئة الأم لا يمكن بيعها. 
الخلاصة أنه يمكن لمستثمر أجنبي أن يشارك ويكسب من مشاريع تدور حول القناة، أو يأخذ حق إدارة ميناء، لكن أن "يملك" القناة نفسها أو يبيع ويشتري فيها فهذا غير قانوني وغير دستوري.وأصل هنا إلى مخاطر السيناريوهات سالفة الذكر. أولاً: سيناريو منح حق الانتفاع لمستثمر أجنبي في قناة السويس أو المنطقة المحيطة بها قد يكون له مكاسب، لكن له مخاطر أكبر، على رأسها المخاطر السيادية والأمنية لوجود نفوذ أجنبي على ممر ملاحي عالمي يمر عبره 12% من التجارة العالمية. فحال تولي شركة أجنبية كبيرة تشغيل ميناء أو منطقة لوجستية 30 سنة، سيكون لها نفوذ وتأثير على حركة السفن والأسعار، بجانب وجود مخاطر التجسس ونقل المعلومات، لأن أي مستثمر هنا سيكون بالضرورة لديه بيانات عن حركة السفن، والبضائع، والدول، وهو ما يمكن استخدامه لأغراض استخباراتية.
كما أن الدولة المستفيدة من حق الانتفاع من الممكن أن تستخدم استثمارها كورقة ضغط على مصر في ملفات سياسية، بجانب المخاطر الاقتصادية، فقد يحدث تسريب للأرباح للخارج بدلاً من دخول الأرباح لخزينة الدولة المصرية بالكامل، فجزء كبير سيكون بمثابة أرباح للمستثمر الأجنبي ويتحول لعملة صعبة تتوجه لخارج مصر. ولن ننسى بالطبع مخاطر الاحتكار ورفع الأسعار، فالمستثمر الأجنبي سيتحكم في رفع رسوم التداول والتخزين مما يؤثر على تنافسية القناة.
كما أن الاعتماد على مستثمر أجنبي له المزيد من المخاطر، منها المخاطر التشغيلية والعمالة التي ستتحول لعمالة أجنبية، فالشركة أو الشخص المستثمر سيجلب إداراته وخبراءه من الخارج بدلا من تشغيل المصريين وتدريبهم، وسيتم هذا بمعايير تشغيل مختلفة. كما أن هذه الشركة في حال استخدامها لعمالة مصرية، فمن الممكن أن تطبق معايير أقل في السلامة أو البيئة لتقليل التكلفة بما ينعكس بالمخاطر على بيئة العمل في القناة وعلى العمال المصريين.من المخاطر أيضاً أنه في حال فشل شركة هذا المستثمر أو قرر فجأة سحب استثماراته دون سبب واضح أو بسبب أي أزمة عالمية، بالطبع سيتعطل المشروع، ويحدث ارتباك في حركة الملاحة وتشغيل القناة بكفاءتها مما يكبد مصر مليارات الخسائر.
وحال رحيل الشركة المستثمرة ستسحب معها التكنولوجيا التي جاءت بها - في حال عدم وجود نص يخالف ذلك في العقد -، أي ستظل التكنولوجيا والمعدات ملكاً للشركة، ولها الحق في إخراجها في أي وقت أو عند انتهاء العقد، وهو ما يمثل إشكالية حتى لو تم اللجوء للتحكيم الدولي، إذ تتضمن معظم عقود حق الانتفاع بند التحكيم الدولي. ففي حال نشوب خلاف وأرادت مصر فسخ التعاقد، قد تتعرض لغرامات بمليارات الدولارات، بجانب إمكانية وجود صعوبة في فسخ العقد خاصة في تلك التي تمتد من 20 إلى 30 سنة حتى في حال سوء الأداء، إلا مقابل شروط جزائية ضخمة.
وإذا أرادت الدولة المصرية التقليل من حدة جملة المخاطر سالفة الذكر أثناء إبرام عقد حق انتفاع مستثمر أجنبي للقناة، فعليها أن تكتب في العقد أن الأصل ملك للدولة، ويتم منح حق الانتفاع فقط دون تملك، وأن يكون الإشراف كاملاً من الهيئة. تتولى هيئة قناة السويس والمنطقة الاقتصادية الرقابة على الأسعار والتشغيل، وإلزام المستثمر بتعيين 90% من العمالة من المصريين، وتحديد مدة التعاقد 20-30 سنة بعدها يعود المشروع كاملاً للدولة بكل معداته، مع تضمين العقد بنوداً سيادية، على رأسها حظر أي استخدام عسكري أو استخباراتي للمشروع - رغم أن مسألة الاستخبارات هذه ليس لها ضمان حقيقي -، الخلاصة أن حق الانتفاع ليس بيعاً بل هو "تأجير" طويل المدى، ويكون الهدف الطموح منه جذب استثمارات وتكنولوجيا وعملة صعبة دون تحميل ميزانية الدولة أعباء، لكن وراء هذا الطموح يكمن الخطر كما أسلفت. 
فإذا لم يكن العقد محكماً قد نخسر السيادة أو الأرباح أو القرار، لذلك يجب أن تمر أي عقود على مجلس النواب والجهات السيادية قبل إبرامها...وللحديث بقية... 
فكرية أحمد
[email protected]