رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

يسري الشرقاوي يحذر من السلع المعمرة: الجودة المفقودة تضغط على جيوب الأسر

الدكتور يسري الشرقاوي
الدكتور يسري الشرقاوي

حذر الدكتور يسري الشرقاوي، مستشار الاستثمار الدولي وخبير التنمية الاقتصادية ورئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة، من التحول الذي تشهده أسواق السلع المعمرة حول العالم، مؤكدًا أن العديد من المنتجات التي كانت تُصمم في الماضي لتعيش سنوات طويلة وتتحمل الاستخدام لمدد ممتدة، أصبحت اليوم أقرب إلى السلع الاستهلاكية سريعة الاستبدال، وهو ما يفرض أعباء إضافية على ميزانيات الأسر، ويطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول مستقبل الصناعة والجودة والاستدامة.

وقال الشرقاوي، للوفد، إن التحول من السلعة المعمرة إلى السلعة سريعة الاستبدال لم يعد قاصرًا على السيارات، وإنما امتد إلى مختلف الأجهزة المنزلية، وفي مقدمتها الثلاجات والغسالات والبوتاجازات، مشيرًا إلى أن المشكلة الأساسية تتمثل في تسريع دورة الاستبدال على حساب جودة الخامات وقوة المكونات وقابلية الإصلاح.

وأوضح أن السيارة ليست وحدها التي فقدت جزءًا من صفة “المعمرة”، فالثلاجة التي كانت في أجيال سابقة قادرة على الاستمرار لسنوات طويلة، والغسالة التي كانت تخدم الأسرة لعقدين، والبوتاجاز الذي كان يُصلح عند تعرضه للعطل بدلًا من التخلص منه، أصبحت جميعها جزءًا من دورة استهلاك أسرع، مضيفًا أن الأسرة قد تجد نفسها مضطرة إلى شراء المنتج ذاته أكثر من مرة خلال عمر الجيل الواحد، وهو ما يحول تكلفة الاستبدال المتكرر إلى عبء اقتصادي مستمر.

وأشار مستشار الاستثمار الدولي إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تضخمًا كبيرًا في حجم الإنتاج العالمي مقارنة بمتوسط العمر التشغيلي للمنتجات، موضحًا أن إنتاج المركبات عالميًا ارتفع من نحو 58 مليون وحدة عام 2000 إلى قرابة 93 مليون وحدة عام 2024، بينما قفز إنتاج الصين من نحو 149 ألف مركبة عام 1978 إلى أكثر من 27 مليون سيارة ركوب بحلول عام 2024، بما يمثل نحو 40% من الإنتاج العالمي.

ولفت إلى أن الأمر لا يختلف كثيرًا في سوق الأجهزة المنزلية الكبرى، حيث بلغ حجم السوق نحو 570 مليون وحدة عام 2024، مع توقعات بالوصول إلى نحو 639 مليون وحدة بحلول عام 2028، فيما تقدر قيمة سوق الغسالات والمجففات بنحو 54 مليار دولار، والثلاجات المجمعة بنحو 51 مليار دولار، بينما استهلك العالم نحو 368 مليون وحدة من الأفران والطابخات الكهربائية خلال عام 2024، وتنتج الصين وحدها قرابة 80% من هذه الفئة.

وأضاف الشرقاوي أن السوق المصرية ليست بعيدة عن هذه التحولات، إذ يقدر حجم سوق الأجهزة المنزلية في مصر بعدة مليارات من الدولارات سنويًا، وتستحوذ الثلاجات وحدها على نحو ثلث إيرادات القطاع، معتبرًا أن اتساع حجم السوق من الناحية العددية لا يعني بالضرورة ارتفاع مستوى المتانة، خاصة إذا كان النمو قائمًا على تكرار عمليات الشراء والاستبدال خلال فترات زمنية أقصر.

وأكد أن قصر العمر التشغيلي للعديد من المنتجات أصبح ظاهرًا في عدد من الدراسات طويلة الأجل، مشيرًا إلى أن متوسط عمر الغسالة تراجع من نحو 19.2 سنة إلى 10.6 سنوات، أي بانخفاض يقارب 45%، كما تراجع عمر الفرن والبوتاجاز من نحو 23.6 سنة إلى 14.3 سنة، بنسبة تصل إلى 39%.

وأوضح أن الثلاجة الحديثة تدوم غالبًا بين 10 و15 سنة، بمتوسط معلن يقارب 14 عامًا، في حين كانت أجيال سابقة من الثلاجات تتجاوز عشرين عامًا في الخدمة الفعلية، لافتًا إلى أن سيارة الركوب الحديثة لم تعد في كثير من الحالات مصممة لتتحمل ظروف الاستخدام الشاق ولمدة ربع قرن كما كان الحال في بعض الطرازات الميكانيكية القديمة.

ورأى رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة أن هناك مجموعة من العوامل التي تقف وراء هذا التحول، من بينها ما يعرف بسياسة “التقادم المخطط” التي تستهدف رفع معدل دوران المنتجات، إلى جانب تراجع العائد من الصناعة التقليدية أمام التطور التكنولوجي والاعتماد المتزايد على المكونات الإلكترونية، فضلًا عن المنافسة السعرية التي دفعت العديد من الشركات إلى البحث عن خفض التكلفة.

وأشار إلى وجود فجوة بين دول التصميم والإنتاج ودول الاستهلاك الكثيف، إلى جانب إحلال الرقمنة والرفاهية محل بعض عناصر المتانة الميكانيكية، موضحًا أن دخول المنتجات الصينية في منافسة سعرية قوية على مستوى الأسواق العالمية ساهم في دفع الصناعة إلى سباق متواصل لخفض التكلفة، وهو ما يثير ضرورة تحقيق توازن أفضل بين السعر والجودة والعمر التشغيلي.

وأضاف أن المشكلة لا تتعلق بالخامات والمكونات فقط، وإنما تمتد إلى منظومة الإصلاح والصيانة، موضحًا أن تراجع أعداد العمالة الفنية الماهرة جعل إصلاح بعض الأعطال أكثر صعوبة أو تكلفة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمكونات إلكترونية أو قطع غيار مرتفعة السعر، الأمر الذي قد يدفع المستهلك في بعض الحالات إلى تفضيل شراء جهاز جديد بدلًا من إصلاح الجهاز القديم.

وأكد الشرقاوي أن هذه المعادلة لا تؤثر فقط على ميزانية الأسرة، وإنما تمتد إلى البيئة والاقتصاد العالمي، مشيرًا إلى أن المخلفات الإلكترونية بلغت 62 مليون طن عام 2022، بزيادة 82% عن عام 2010، مع توقعات بوصولها إلى 82 مليون طن بحلول عام 2030، فضلًا عن الخسائر الاقتصادية المرتبطة بسوء إدارة هذه المخلفات.

وحذر من أن تكرار استبدال الأجهزة والسيارات خلال فترات زمنية أقصر يعني زيادة الإنفاق الاستهلاكي وزيادة حجم النفايات في الوقت نفسه، معتبرًا أن الأسرة التي تضطر إلى استبدال أجهزتها الأساسية بصورة متكررة تتحمل ما يشبه “ضريبة صامتة” تقتطع من موارد كان يمكن توجيهها إلى الغذاء أو التعليم أو الصحة، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الاستيراد وتقلبات أسعار الصرف.

وشدد مستشار الاستثمار الدولي على ضرورة التعامل مع قضية جودة السلع المعمرة باعتبارها ملفًا اقتصاديًا وصناعيًا وبيئيًا متكاملًا، وليس مجرد مسألة تتعلق برضا المستهلك عن منتج بعينه، مقترحًا وضع حد أدنى قانوني للعمر التشغيلي لبعض المنتجات، وتعزيز “حق الإصلاح”، وإلزام الشركات بتوفير قطع الغيار لفترات زمنية مناسبة، إلى جانب ربط بعض الحوافز الاستثمارية بمعايير المتانة وليس فقط بحجم الإنتاج وعدد الوحدات.

كما دعا إلى إعادة الاهتمام بمدارس ومهن الصيانة والصنعة، وتخريج فنيين قادرين على التعامل مع المحركات والضواغط والمكونات المختلفة، مع تشجيع تصنيع قطع الغيار محليًا، بما يقلل تكلفة الإصلاح ويمنح المنتج فرصة أطول للاستخدام بدلًا من التخلص منه عند أول عطل رئيسي.

وطالب الشرقاوي بوضع علامة جودة واضحة للعمر التشغيلي للمنتج، وإلزام الشركات بالإفصاح عن العمر الافتراضي المتوقع في كتيب الجهاز وعلى العبوة إلى جانب السعر، بحيث يستطيع المستهلك المقارنة بين المنتجات ليس على أساس السعر فقط، وإنما وفق تكلفة الاستخدام والعمر المتوقع أيضًا.

وشدد على أهمية توعية المستهلك بمعايير المتانة قبل اتخاذ قرار الشراء، وإعداد دليل استهلاكي يوضح متوسط العمر التشغيلي المتوقع للأجهزة المختلفة، مع توجيه الاهتمام إلى تصنيع منتجات تتحمل ظروف البيئة المصرية من حيث الحرارة والغبار وجودة المياه، بدلًا من الاكتفاء بمواصفات مناسبة لأسواق وظروف تشغيل مختلفة.

وحذر من أن استمرار دورة الاستبدال السريع حتى عام 2050 قد يضاعف الضغوط المرتبطة بالنفايات والاستهلاك واستنزاف الموارد، مؤكدًا أن القضية لا تتعلق فقط بما يدفعه المواطن عند شراء جهاز جديد، وإنما بما تخسره الدولة من موارد وفرص صناعية وما تتحمله البيئة من مخلفات.

واختتم الدكتور يسري الشرقاوي حديثه بالتأكيد على أن الجودة ليست رفاهية أو حنينًا إلى منتجات الماضي، وإنما عنصر أساسي في الاستقرار الاقتصادي، قائلًا إن المشكلة الحالية تتمثل في أننا “لا نشتري أجهزة، وإنما نستأجرها بالتقسيط”، محذرًا من أن تحول السلع المعمرة إلى سلع سريعة الاستهلاك قد ينقل الاقتصاد تدريجيًا من الإنتاج إلى الاستهلاك، ومن الصناعة إلى النفايات، مؤكدًا أن “الجودة هي أرخص سياسة اقتصادية على المدى الطويل”.