يسري الشرقاوي: “قرار صاحب الدولار” يستهدف فرع بنك مصر بالإمارات ولا يمس القطاع المصرفي المصري
أكد الدكتور يسري الشرقاوي، مستشار الاستثمار الدولي وخبير التنمية الاقتصادية ورئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة، أن الإجراء الذي أعلنته وزارة الخزانة الأمريكية بشأن عمليات بنك مصر في دولة الإمارات يمثل “قرار صاحب الدولار”، موضحًا أن الخطوة الأمريكية تستهدف معاملات الفرع الإماراتي بالدولار وعلاقاته مع المؤسسات المالية الأمريكية، ولا تعني إغلاق بنك مصر أو استهداف القطاع المصرفي المصري بالكامل.
وأوضح الشرقاوي، للوفد، أن وزارة الخزانة الأمريكية أعلنت في ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦ إجراءات تستهدف عمليات فرع بنك مصر في الإمارات، على خلفية اتهامات أمريكية بمرور معاملات مرتبطة بشبكات مالية إيرانية، مشيرًا إلى أن التقديرات الأمريكية تتحدث عن معالجة نحو ١٫٨ مليار دولار عبر معاملات مرتبطة بـ ١٠٣ شركات خلال الفترة من يناير ٢٠٢٤ حتى يونيو ٢٠٢٦.
وقال الشرقاوي إن المعنى ببساطة أن أمريكا لا تغلق بنك مصر، ولا تحاكم مصر، ولا تقول إن بنوك دبي كلها مذنبة، وإنما تستخدم نفوذها على النظام المالي العالمي لتقييد وصول فرع محدد إلى الدولار عبر المؤسسات المالية الأمريكية.
وأضاف أن أهمية الخطوة ترجع إلى طبيعة الدولار باعتباره العملة الرئيسية في جانب كبير من التجارة والتمويل الدوليين، موضحًا: “عندما ينتقل الدولار بين الدول، فإنه يمر في كثير من الحالات عبر شبكة من البنوك المراسلة المرتبطة بالنظام المالي الأمريكي، ومن يملك مفاتيح هذه الشبكة يستطيع أن يقول إن هذه العملية تمر وهذه لا تمر، ولذلك يمكن وصف الخطوة بأنها قرار صاحب الدولار”.
الشرقاوي: الضرر الأول يقع على فرع بنك مصر في الإمارات
وأشار مستشار الاستثمار الدولي إلى أن التأثير المباشر حال دخول الإجراء حيز التنفيذ سيكون على قدرة فرع بنك مصر في الإمارات على استخدام شبكة المراسلة الأمريكية في معاملات الدولار.
وأوضح أن ذلك قد ينعكس على عمليات التحويلات الدولارية وتمويل التجارة والاعتمادات المستندية وتسوية بعض الفواتير والمعاملات العابرة للحدود، لافتًا إلى أن العميل الذي لا علاقة له بالمعاملات محل الاشتباه قد يتأثر بصورة غير مباشرة نتيجة تشدد البنوك المراسلة في التعامل.
وأضاف: “المشكلة لا تتوقف عند حركة الدولار، فهناك ضرر آخر يتعلق بالسمعة المصرفية، لأن مجرد ارتباط اسم بنك بإجراء أمريكي يتعلق بمخاطر غسل الأموال أو الشبكات المالية الإيرانية يدفع بعض البنوك المراسلة إلى رفع مستوى الحذر وإعادة تقييم علاقاتها”.
وتابع: “قد ترتفع تكلفة الامتثال، وتزداد عمليات مراجعة ملفات العملاء والمعاملات، وتظهر الحاجة إلى مستشارين قانونيين وفحوص إضافية، وقد يفضل بعض العملاء الانتقال إلى بنوك أخرى قبل انتهاء الإجراءات”.
وأكد الشرقاوي أن الفرع لم يُغلق، وإنما يدور الأمر حول تقييد محتمل لوصوله إلى النظام المالي الأمريكي، في وقت أكد فيه بنك مصر أن إجراءاته التشغيلية مستمرة وفق القواعد والإجراءات المعمول بها.
لا عقوبة على بنك مصر بالكامل
وشدد الشرقاوي على ضرورة عدم الخلط بين استهداف فرع بنك مصر في الإمارات وبين فرض عقوبة على بنك مصر أو الجهاز المصرفي المصري.
وقال: “من المهم جدًا ألا تتحول القضية إلى شائعة تقول إن بنك مصر كله أصبح معاقبًا، فهذا غير صحيح البنك المركزي المصري أوضح أن الإجراء يقتصر على معاملات فرع بنك مصر في الإمارات مع المراسلين بالدولار، ولا يمتد إلى بنك مصر داخل مصر أو إلى فروعه الخارجية الأخرى”.
وأضاف أن هذه النقطة تمثل عنصرًا أساسيًا في إدارة تداعيات القرار، لأن الأسواق المالية شديدة الحساسية تجاه الأخبار المتعلقة بالبنوك، وقد يؤدي سوء فهم القرار إلى أضرار أكبر من القرار نفسه.
الشرقاوي: دبي لن تنهار
وعن تأثير الخطوة الأمريكية على القطاع المصرفي في دبي، قال الشرقاوي إن القرار لا يعني بأي حال انهيار المركز المالي الإماراتي أو اتهام الجهاز المصرفي الإماراتي بشكل جماعي.
وأوضح: “ دبي ليست متهمة بالجملة، والنظام المصرفي الإماراتي ليس موضع حظر أمريكي شامل، لكن القضية ترفع مستوى التدقيق على حركة الأموال التي تمر عبر البيئة التجارية والمصرفية الإماراتية، خاصة المعاملات المرتبطة بالتجارة وإعادة التصدير والشحن والطاقة”.
وتابع: “الضرر المحتمل على بنوك دبي ليس إغلاقًا، وإنما ثلاثة أمور يومية: تشدد البنوك الأمريكية في قبول بعض التحويلات، وارتفاع تكلفة الامتثال، وزيادة مخاوف العملاء من تأخر بعض معاملاتهم”.
وأكد أن السؤال الأهم الذي سيزداد حضوره في التعاملات الدولية هو: “من هو المستفيد الحقيقي من الأموال؟”، مشيرًا إلى أن البنوك ستحتاج بصورة أكبر إلى معرفة هوية مالكي الشركات ومصدر الأموال والغرض من المعاملة ومسارها النهائي.
الاختبار الحقيقي للبنكين المركزيين المصري والإماراتي هو الثقة
وقال الشرقاوي إن تداعيات القرار لا تتعلق بالأموال والأصول فقط، وإنما بقدرة الجهات الرقابية على الحفاظ على الثقة في النظام المصرفي.
وأوضح أن التحدي أمام البنك المركزي المصري يتمثل في طمأنة السوق بأن الإجراء محصور في فرع الإمارات، ومنع انتقال تداعياته النفسية إلى البنوك العاملة داخل مصر.
وأضاف: “مصر تحتاج في هذه المرحلة إلى متابعة الملف بشكل مهني، ومراجعة المعاملات محل الاشتباه، والتواصل المباشر مع الجانب الأمريكي، وتقديم المستندات والبيانات التي توضح طبيعة هذه العمليات، بدلًا من التعامل مع الأمر باعتباره مجرد أزمة سياسية”.
وأشار إلى أن البنك المركزي الإماراتي يواجه بدوره اختبارًا مهمًا، خاصة أنه أعلن إجراء فحص عاجل وشامل لأنشطة فروع بنك مصر في الإمارات، بما يشمل مراجعة مالية دقيقة للفترة التي تناولتها الملاحظات الأمريكية.
هل تملك أمريكا حق استخدام الدولار بهذه الطريقة؟
وحول البعد القانوني والسياسي، قال الشرقاوي إن الولايات المتحدة تمتلك أدوات قوية لتنظيم وصول المؤسسات الأجنبية إلى النظام المالي الأمريكي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالدولار والبنوك المراسلة.
لكنه أضاف أن المسألة تفتح في الوقت نفسه نقاشًا دوليًا واسعًا حول حدود استخدام القوة المالية الأمريكية.
وأوضح: “هناك فارق بين القوة القانونية والقوة الاقتصادية والعدالة الدولية. الولايات المتحدة تستطيع أن تستخدم أدوات النظام المالي الذي تسيطر على جزء رئيسي منه للتأثير في مؤسسة تعمل خارج أراضيها، حتى من دون أن تغلق البنك في دولته”.
وأضاف: “هذه هي القوة الحقيقية للدولار؛ فأمريكا لا تحتاج دائمًا إلى إغلاق بنك في دولة أخرى، وإنما يكفي أن تجعل وصوله إلى شبكة الدولار أكثر صعوبة أو تجعل البنوك المراسلة تخشى التعامل معه”.
الشرقاوي: العلاج ليس الصراخ ولا الصمت
واختتم الدكتور يسري الشرقاوي تصريحاته بالتأكيد على أن التعامل مع القضية يجب أن يكون عبر أدوات اقتصادية ومصرفية وقانونية دقيقة.
وقال: “العلاج ليس الصراخ ولا الصمت، وإنما معرفة من يملك الشركة، ومن أين جاءت الأموال، وإلى أين ذهبت، وما طبيعة المعاملات التي تمت، ثم تقديم إجابات موثقة للجهات الرقابية”.
وأضاف: “إذا ثبتت الشبهات، فيجب التعامل معها بكل حزم وشفافية، وإذا لم تثبت بالقدر الذي أعلنته واشنطن، فيجب أن يكون الرد بالبيانات والأرقام والملفات وليس بالبيانات الغاضبة”.
واعتبر الشرقاوي أن القضية في جوهرها تتجاوز بنك مصر ودبي وإيران، لتكشف مرة أخرى عن قوة الدولار في النظام المالي العالمي، قائلًا: “القرار لا يسقط دبي كمركز مالي، ولا يستهدف مصر كدولة، لكنه يرفع سعر الثقة في النظام المصرفي العالمي، ويؤكد أن من يتعامل بالدولار عليه أن يعرف عميله ومستفيدَه الحقيقي ومصدر أمواله ومسار معاملته”.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







