يسري الشرقاوي: رأب الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع مفتاح الاستقرار والتنمية المستدامة
دعا الدكتور يسري الشرقاوي، مستشار الاستثمار الدولي وخبير التنمية الاقتصادية ورئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة، إلى تبني منظومة أكثر كفاءة وشفافية في اختيار القيادات الحكومية، مؤكدًا أن رأب الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي للمواطنين يمثل أحد أهم مفاتيح تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
وأوضح الشرقاوي، في دراسة تحليلية بعنوان "رأب الصدع ومفتاح الحل"، أن التباعد بين التصريحات الرسمية والواقع اليومي أصبح من أبرز التحديات التي تواجه العديد من الدول النامية، حيث تتحول الوعود الحكومية في كثير من الأحيان إلى خطاب متكرر لا ينعكس بصورة ملموسة على حياة المواطنين، وهو ما يؤدي إلى تراجع الثقة في المؤسسات الرسمية، ويزيد من حالة الإحباط، ويؤثر سلبًا على جهود التنمية.
وأشار إلى أن الدول النامية، وفي مقدمتها دول العالم الثالث، تواجه تحديات مركبة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والإدارية، الأمر الذي يجعل تقليص الفجوة بين السياسات المعلنة والنتائج الفعلية ضرورة لتحقيق الاستقرار الشامل على المدى الطويل.
وأكد الشرقاوي، للوفد، أن التجارب الدولية أثبتت أن نجاح الحكومات لا يرتبط بكثرة التصريحات أو حجم الهياكل الوزارية، وإنما بقدرتها على تنفيذ السياسات وتحويلها إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن، لافتًا إلى أن الدول المتقدمة تعتمد في اختيار قياداتها الحكومية على معايير الكفاءة المهنية، والخبرة التخصصية، وسجل الإنجازات، مع وجود آليات واضحة للتقييم المستمر والتدريب والمساءلة.
وأضاف أن الإدارة الحكومية في الدول المتقدمة تقوم على الفصل النسبي بين الاعتبارات السياسية والكفاءة الإدارية، بما يضمن مهنية الأداء وشفافية التواصل مع المواطنين، وهو ما ينعكس على مصداقية الخطاب الرسمي ويعزز الثقة في مؤسسات الدولة.
واستعرض رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة عددًا من النماذج الدولية، موضحًا أن دولًا مثل سنغافورة والإمارات اعتمدت على استقطاب الكفاءات الفنية والخبرات الدولية، مع هياكل حكومية تركز على النتائج، بينما طورت الصين نموذجًا يجمع بين الانضباط المؤسسي والقدرة على تحقيق معدلات نمو مرتفعة من خلال ربط الأداء الاقتصادي بمسار الترقي داخل الجهاز الإداري.
وفي المقابل، أشار إلى أن عددًا من الدول النامية لا يزال يواجه تحديات في تحقيق التوازن بين الاعتبارات السياسية والكفاءة الفنية، وهو ما ينعكس على جودة الخدمات وسرعة الاستجابة لاحتياجات المواطنين.
ولفت الشرقاوي إلى أن المقارنة بين الاقتصادات الكبرى تكشف أن حجم الجهاز الحكومي لا يمثل معيارًا للكفاءة، مستشهدًا ببيانات اقتصادية تشير إلى أن الولايات المتحدة، صاحبة أكبر اقتصاد عالمي، تدير شؤونها بعدد محدود نسبيًا من الوزارات مقارنة بحجم اقتصادها، وكذلك الحال في ألمانيا والمملكة المتحدة وأستراليا، بينما تمتلك بعض الدول الأقل حجمًا اقتصاديًا هياكل وزارية أكبر، دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على جودة الأداء أو كفاءة الخدمات.
وأكد أن المؤشر الحقيقي لنجاح الحكومات يتمثل في قدرتها على تحسين مستويات المعيشة، ورفع جودة الخدمات العامة، وتعزيز الإنتاجية، والسيطرة على معدلات التضخم، وخلق فرص عمل مستدامة، وليس في كثرة الوعود أو البيانات الإعلامية.
وشدد على أن الاعتماد على أهل الكفاءة في شغل المناصب القيادية يمثل المدخل الحقيقي للإصلاح الإداري، موضحًا أن الدول التي اعتمدت أنظمة موضوعية للاختيار والترقية والتقييم استطاعت تحقيق معدلات نمو أعلى، وتقليص الفجوة بين الحكومات والمواطنين.
وأشار إلى أن التجارب الدولية تقدم نموذجًا واضحًا يمكن الاستفادة منه، يقوم على بناء منظومة شفافة لاختيار القيادات، تستند إلى معايير معلنة، وتقييمات مستقلة، وبرامج تدريب مستمرة، مع ربط الاستمرار في المناصب بتحقيق نتائج قابلة للقياس، وتقليص التدخلات السياسية في الوظائف التنفيذية والفنية.
وقدم الشرقاوي مجموعة من التوصيات، في مقدمتها تبني آليات موضوعية لاختيار القيادات الحكومية تعتمد على الخبرة والإنجاز، وإعادة النظر في عدد الحقائب الوزارية بما يحقق كفاءة أكبر في الأداء، إلى جانب تعزيز الشفافية في التواصل الحكومي وربط الخطاب الرسمي بمؤشرات أداء واضحة يمكن للمواطن متابعتها.
كما دعا إلى إنشاء منظومة مستقلة لتقييم نتائج السياسات العامة بصورة دورية، والاستثمار في تأهيل الكوادر الإدارية، وتوسيع برامج تبادل الخبرات مع الدول التي حققت نجاحات في الإصلاح المؤسسي، فضلًا عن تعزيز قنوات الحوار المباشر بين الحكومة والمواطنين لضمان توافق السياسات مع الاحتياجات الحقيقية للمجتمع.
واختتم الدكتور يسري الشرقاوي دراسته بالتأكيد على أن إصلاح منظومة الإدارة الحكومية لم يعد خيارًا تنظيميًا فحسب، بل أصبح ضرورة وطنية لتحقيق التنمية المستدامة، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، وترسيخ شراكة حقيقية تقوم على الكفاءة والشفافية والنتائج الملموسة، بما يفتح آفاقًا أوسع للنمو الاقتصادي والاستقرار الشامل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







