رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

يسري الشرقاوي: المبادرات الحكومية لا تكفي والمواطن يريد إنجازًا يقاس بالوقت والتكلفة

الدكتور يسري الشرقاوي
الدكتور يسري الشرقاوي

حذر الدكتور يسري الشرقاوي، مستشار الاستثمار الدولي وخبير التنمية الاقتصادية ورئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة، من التوسع في إطلاق المبادرات والبرامج الإدارية التي لا تنعكس بصورة مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، مؤكدًا أن الدولة في حاجة إلى الانتقال من “موسم المبادرات” إلى منظومة مؤسسية ثابتة تقوم على النتائج والمحاسبة وقياس الأثر.

وقال الشرقاوي، للوفد، إن المقصود من انتقاد ظاهرة المبادرات ليس رفض المشروعات التنموية أو البرامج التي تستهدف تحسين حياة المواطنين، وإنما التوقف أمام ما وصفه بـ"الموجة الإدارية النظرية" التي أصبحت في بعض الحالات بديلًا عن النظام الإداري المستقر والأداء التنفيذي الناجز، موضحًا أن إطلاق مبادرة جديدة أو تنظيم جائزة أو ورشة عمل أو جولة ميدانية تحت مسمى مختلف لا يمثل في حد ذاته إصلاحًا إداريًا ما لم يؤدِ إلى تغيير ملموس في طريقة تقديم الخدمة.

وأضاف أن بعض النماذج التي تحمل عناوين مثل جوائز التميز، وسفير التميز، وورش الجاهزية، والجولات الميدانية، فضلًا عن استحداث فئات جديدة من المبادرات بصورة متكررة، قد تكون مناسبة لأنشطة المجتمع المدني أو البرامج التحفيزية، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن المهام الأساسية للوزارات والجهات التنفيذية.

المواطن لا يرى المبادرة.. بل يرى نتيجة الخدمة

 

وأوضح الشرقاوي أن المشكلة الأساسية تتمثل في أن بعض هذه المبادرات قد تتحول إلى “فرقعات إعلامية” تستهلك وقت القيادات، وأموال الموازنة، وجهود الموظفين، ثم تنتهي دون تغيير جوهري في الخدمة المقدمة، قائلًا إن المواطن قد يجد أن الإجراء ما زال قائمًا، وعدد المستندات لم يتغير، ومدة الانتظار لم تنخفض، والشباك لم يتطور، بينما تتزايد المؤتمرات والجوائز وملفات التقييم.

وأشار إلى أن معيار نجاح أي مبادرة حكومية يجب أن يكون بسيطًا وواضحًا، مؤكدًا أن ما عدا ذلك يجب ألا يتحول إلى هدف في حد ذاته، وتابع أن تكريم الموظف أو الجهة لا ينبغي أن يسبق تحقيق النتيجة، لأن التكريم الحقيقي يجب أن يكون انعكاسًا لتحسن ملموس في الأداء، وليس مكافأة على كثرة الملفات التي تم إعدادها أو عدد ساعات التدريب والتقييم التي تم إنفاقها.

من “التميز الحكومي” إلى تضخم منظومة الجوائز

 

وأشار رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة إلى أن فكرة التميز الحكومي ظهرت في تجارب دولية منذ سنوات، ومنها تجربة دولة الإمارات التي أطلقت برنامجًا للتميز الحكومي عام 1997، ثم انتقلت إلى الحكومة الإلكترونية في عام 2000، موضحًا أن الفكرة في أصلها كانت مرتبطة بتطوير الأداء وقياس مؤشرات محددة خلال مدد زمنية واضحة.

ولفت إلى ما وصفه بتضخم منظومة التدريب والتقييم والجوائز، مستشهدًا بأرقام تتعلق بالدورة الرابعة من إحدى منظومات الجوائز، والتي تضمنت أكثر من 12 ألف طلب، ونحو 344 إلى 350 ألف ساعة تدريب، و114 ألف ساعة تقييم، و201 زيارة ميدانية، فضلًا عن تكريم نحو 219 جهة أو شخصية.

وأشار كذلك إلى أرقام تخص الجامعات خلال عام 2025، من بينها اختيار 164 “سفير تميز”، وتنفيذ نحو 50 ألف ساعة تدريب و56 ألف ساعة تقييم، معتبرًا أن هذه الأرقام تطرح تساؤلًا أساسيًا حول العلاقة بين حجم النشاط الإداري المصاحب لمنظومة التميز وبين التحسن الفعلي في جودة الخدمات.

وقال إن إنشاء فئات جديدة مثل “جائزة المبادرة الحكومية الابتكارية” قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى مكافأة الجهة التي تضيف عنوانًا أو برنامجًا جديدًا، بدلًا من مكافأة الجهة التي تنجح في حذف خطوة حقيقية من البيروقراطية.

وأضاف أن توسع نطاق هذه الجوائز والمبادرات من عدد محدود من الجامعات إلى عشرات الجامعات، ثم انتقالها إلى جهات خدمية أخرى مثل البريد والشهر العقاري ومديريات الصحة، فضلًا عن إطلاق جوائز للمبادرات المشتركة، يجب أن يصاحبه تقييم حقيقي للعائد، حتى لا يتحول الأمر إلى «كتالوج متزايد من المبادرات» دون أثر يتناسب مع حجمه.

مبادرات التصدير.. المطلوب أرقام لا صور

 

وانتقل الشرقاوي إلى الحملات والمبادرات التي تحمل عناوين مرتبطة بالتصدير والتصنيع والتطوير، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي ليس في إطلاق حملة جديدة، وإنما في تحويل أهدافها إلى نتائج رقمية يمكن قياسها ومراجعتها.

وقال إن حملات مثل “مصر تنطلق بالتصدير”، و"يلا نصنع"، و"يلا نتطور" وغيرها، يجب ألا تكتفي بالجولات واللقاءات والصور والفعاليات، وإنما ينبغي أن تقدم بعد فترة زمنية محددة أرقامًا واضحة عن عدد الشركات التي دخلت بالفعل إلى أسواق تصديرية جديدة، وحجم الزيادة في الصادرات، وعدد الوظائف التي تم توفيرها، ومدى استفادة الشركات الصغيرة والمتوسطة.

وأشار إلى أن الحديث عن نحو 126 شركة في بعض المبادرات أو الجولات لا يمثل في حد ذاته إنجازًا ما لم يرتبط بمؤشرات أداء قابلة للقياس، خصوصًا في ظل وجود مؤشرات معروفة مسبقًا بشأن تركز الصادرات لدى عدد محدود من الشركات.

وأضاف أن الأداة المالية لدعم التصدير موجودة بالفعل، مشيرًا إلى تخصيص نحو 28 مليار جنيه للمساندة التصديرية خلال العام المالي 2025/2026، مع استفادة نحو 3100 شركة، متسائلًا عن القيمة المضافة التي تحققها الجولات والمبادرات إذا لم تنعكس بعد فترة محددة في صورة مصدرين جدد وأسواق جديدة وأرقام تصديرية إضافية.

وأكد أن “الجولة لا تخلق سوقًا”، وأن المنصة الإعلامية وحدها لا تصنع مصدرًا جديدًا، مشددًا على أن نجاح أي مبادرة تصديرية يجب أن يقاس بما يحدث بعد انتهاء الجولة، وليس بعدد المشاركين أو الصور أو البيانات الصحفية.

“هدر المبادرات” لا يظهر كبند مستقل في الموازنة

وحذر الشرقاوي من أن أحد أوجه المشكلة يتمثل في عدم وجود بند واضح يمكن من خلاله قياس ما أسماه “هدر المبادرات”، موضحًا أن الإنفاق قد يظهر في صورة مؤتمرات أو فعاليات أو دعاية أو معارض أو تدريب، وبالتالي لا يظهر للرأي العام بصورة مباشرة باعتباره تكلفة لمنظومة مبادرات.

وأشار إلى أرقام تتعلق بإنفاق على الحفلات والمؤتمرات والدعاية والمعارض بلغ في أحد الجداول نحو 1.79 مليار جنيه، إلى جانب موازنات مرتبطة بالتدريب، من بينها موازنة جارية تقارب 39 مليون جنيه واستخدامات رأسمالية بنحو 252 مليون جنيه لعام 2025/2026.

وأضاف أن النظر إلى هذه الأرقام يصبح أكثر أهمية في ظل ارتفاع أعباء خدمة الدين، التي تقترب من 2.3 تريليون جنيه، مؤكدًا أن الدولة في ظل هذه الضغوط المالية تحتاج إلى توجيه كل جنيه إلى ما يحقق قيمة مضافة واضحة، وليس إلى أنشطة احتفالية لا يمكن قياس أثرها.

وقال إن الإنفاق الإداري يجب أن يخضع هو الآخر لمنطق العائد على الاستثمار، معتبرًا أن الدولة لا تحتاج إلى “تطوير شكلي” أو جهاز موازٍ لإنتاج الملفات والدروع، وإنما تحتاج إلى جهاز إداري ينجز المعاملة بصورة أسرع وأقل تكلفة.

التجارب الدولية.. الإدارة بالنتائج لا بكثرة المبادرات

 

واستشهد الشرقاوي بتجارب دولية، معتبرًا أن المقارنة مع أوروبا والولايات المتحدة والصين تكشف أن الإدارة الحديثة لا تقوم على كثرة المبادرات بقدر ما تقوم على وجود نظام ثابت للمساءلة وقياس الأداء.

وأوضح أن الاتحاد الأوروبي يعتمد على أدوات ترتبط بتحسين التشريع وتقييم أثر القواعد الجديدة ومراجعة التشريعات القائمة بهدف تقليل الأعباء التنظيمية، بما يعني أن التركيز ينصب على جودة القاعدة ونتائجها وليس على كثرة العناوين والبرامج.

وفي الولايات المتحدة، أشار إلى قانون الأداء والنتائج الحكومية لعام 1993 وتحديثاته اللاحقة، والتي تقوم على تحديد أهداف واضحة ومحدودة للجهات الحكومية، ونشر النتائج ومراجعتها، وربط الأداء بالمساءلة والرقابة.

أما الصين، فقال إن لديها خبرة واسعة في الحملات الحكومية، لكنها تربطها بمؤشرات رقمية وتقييمات صارمة لأداء المسؤولين، كما تعمل على مواجهة ما يوصف بمشروعات الصورة أو الإنجازات الشكلية التي لا تحقق قيمة اقتصادية أو اجتماعية حقيقية.

وأكد أن القاسم المشترك في هذه التجارب هو وجود اختصاص قانوني واضح، وموازنة، وبرامج محددة، ومؤشرات أداء، وتقييم لاحق للنتائج، بينما تظل المبادرة، إذا لزم الأمر، أداة استثنائية ومؤقتة لها بداية ونهاية وهدف قابل للقياس.

المبادرة الناجحة يجب أن تقتل إجراءً بيروقراطيًا

وطرح الشرقاوي عددًا من المقترحات لإعادة ضبط منظومة المبادرات الحكومية، في مقدمتها عدم إطلاق أي مبادرة إدارية جديدة إلا إذا كانت تستهدف إلغاء إجراء قائم أو تقليص عدد خطواته، مع إلزام الجهة بإعلان أثر المبادرة خلال فترة زمنية محددة، وقياس تأثيرها على زمن تقديم الخدمة وتكلفتها.

كما دعا إلى دمج وحدات التميز والمبادرات داخل الهياكل الإدارية الأصلية بدلًا من تكوين كيانات موازية، ووضع سقف للإنفاق على المؤتمرات والدعاية والتدريب المرتبط بالمبادرات، وربط أي جائزة بتحسن فعلي في أداء الجهة أو الخدمة التي تقدمها.

وشدد على أن التكريم يجب ألا يكون هو الهدف، وإنما النتيجة، وأن عدد الدروع أو شهادات التقدير أو ساعات التدريب لا يمكن أن يكون بديلًا عن قياس زمن الخدمة أو خفض تكلفة الإجراء.

الشرقاوي: المواطن يريد دقيقة أقل وورقة أقل وجنيهًا أقل

 

واختتم الدكتور يسري الشرقاوي حديثه برسالة إلى المسؤولين وصناع القرار، مؤكدًا أن المواطن لا يبحث عن لافتة جديدة أو درع معلق على الحائط، وإنما يريد خدمة أسرع وإجراءً أبسط وتكلفة أقل.

وأكد أن ما لا ينعكس على وقت المواطن أو ماله أو سهولة حصوله على الخدمة لا ينبغي أن يتحول إلى مشروع إداري دائم أو إنفاق مستمر على الدعاية والتدريب والفعاليات، مؤكدًا في رسالته على ضرورة الانتقال من “تجميل الشباك” إلى إصلاح الإجراء نفسه، ومن الاحتفاء بالمبادرات إلى محاسبة نتائجها، قائلًا إن الدولة لا تُدار بالحملات والعناوين، وإنما بمنظومة مؤسسية مستقرة ونتائج حقيقية يلمسها المواطن في وقته وجيبه وجودة الخدمة التي يحصل عليها.