“تذكرة الموت بـ 5 آلاف يورو”..فؤاد عودة يدعو لمسارات قانونية حول الهجرة لأوروبا
دعا البروفيسور فؤاد عودة، الطبيب المتخصص في أمراض العظام وخبير الصحة العالمية وعضو سجل خبراء الاتحاد الوطني لنقابات الأطباء والجراحي الأسنان الإيطالي (FNOMCeO)، إلى تبني مقاربة جديدة لملف الهجرة تقوم على فتح مسارات قانونية وآمنة ومنظمة، بدلاً من ترك آلاف الراغبين في الوصول إلى أوروبا فريسة لشبكات تهريب البشر والرحلات البحرية الخطرة.
وأكد عودة، للوفد، أن استمرار سقوط الضحايا في البحر المتوسط لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد أزمة طارئة، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الهجرة غير النظامية من جذورها، من خلال اتفاقيات ثنائية فعالة، وتدريب مهني ولغوي في دول المنشأ، وربط الهجرة القانونية باحتياجات أسواق العمل الأوروبية.
وأوضح أن عام 2026 شهد بالفعل أكثر من ألفي حالة وفاة أو فقدان على طرق الهجرة نحو أوروبا، فيما لا يزال وسط البحر المتوسط من أخطر المسارات البحرية، لافتاً إلى أن هذه الأرقام تعكس التكلفة الإنسانية الباهظة للطرق غير النظامية.
وأشار إلى أن البيانات التي أعدتها الشبكة الجمعوية والحركات التي يقودها، والمحدثة حتى 31 يوليو 2026، أظهرت وصول أكثر من 63 ألف مهاجر إلى أوروبا منذ بداية العام، بينما سجلت إيطاليا 19,785 وافداً خلال الفترة نفسها، مقابل 43,862 خلال الفترة ذاتها من عام 2025 و42,999 في عام 2024.
قوارب الموت.. والمهربون يبيعون الوهم
وحذر عودة من تزايد خطورة الرحلات غير النظامية، موضحاً أن شبكات التهريب تلجأ بصورة متزايدة إلى استخدام قوارب متهالكة وغير آمنة، فيما يدفع المهاجرون مبالغ مالية كبيرة مقابل ما وصفه بـ"تذكرة الأمل والموت".
وقال إن تكلفة الرحلة قد تتجاوز في المتوسط 5 آلاف يورو، قبل أن يترك المهربون المهاجرين لمواجهة مصير مجهول في عرض البحر، وهو ما يضاعف مخاطر الغرق والاستغلال والاتجار بالبشر.
واستشهد عودة بالمأساة الأخيرة قبالة جزر الكناري، بعدما ظل قارب أبحر من غامبيا وعلى متنه 128 مهاجراً تائهاً في المحيط الأطلسي لنحو شهر، قبل أن تنجح السلطات الإسبانية في إنقاذ 44 شخصاً وانتشال 8 جثامين، فيما ظل نحو 80 شخصاً في عداد المفقودين.
وأكد أن هذه الوقائع تؤكد الحاجة الملحة إلى توفير بدائل قانونية وآمنة أمام الراغبين في الهجرة، بدلاً من تركهم تحت رحمة المهربين.
أوروبا بحاجة إلى العمالة والكفاءات
وربط خبير الصحة العالمية بين ملف الهجرة واحتياجات سوق العمل الأوروبية، مشيراً إلى أن إيطاليا وعدداً من الدول الأوروبية تواجه نقصاً في العمالة والكفاءات في قطاعات مختلفة، من بينها الصحة والرعاية والزراعة والنقل.
ولفت إلى أن إيطاليا أقرت، ضمن مرسوم التدفقات للفترة 2026-2028، دخول 497,550 عاملاً من خارج البلاد بصورة نظامية، بواقع 164,850 دخولاً خلال عام 2026.
وقال عودة إن هذه الأرقام تؤكد وجود احتياج فعلي للعمالة الأجنبية، مطالباً بربط مسارات الهجرة النظامية بالاحتياجات الحقيقية لسوق العمل، بحيث يتم اختيار العمالة وتدريبها وتأهيلها قبل مغادرة بلدانها.
تدريب قبل السفر.. ومواجهة التضليل
وشدد عودة على أهمية مواجهة المعلومات المضللة التي تدفع بعض الشباب إلى اتخاذ قرارات خطرة، موضحاً أن كثيراً من الراغبين في الهجرة يتلقون معلومات غير دقيقة حول فرص العمل والحياة في أوروبا، ما يجعلهم أكثر عرضة للاستغلال من جانب المهربين.
وأكد ضرورة أن تشمل الاستراتيجية الجديدة توفير معلومات موثوقة، وتدريباً مهنياً ولغوياً في بلدان المنشأ، وآليات شفافة لاختيار العمالة، إلى جانب التحقق من الكفاءات وتنظيم إجراءات الدخول.
وأشار إلى أن التفاهمات القائمة بين إيطاليا ومصر يمكن أن تمثل نموذجاً مهماً لتطوير مسارات هجرة نظامية تستجيب لاحتياجات الطرفين.
كفى للمآسي في البحر
ورفعت المنظمات والجمعيات المشاركة في الدعوة شعار “كفى للمآسي في البحر”، مؤكدة أن مكافحة الهجرة غير النظامية لا تعني فقط تشديد الرقابة على الحدود، وإنما تتطلب توفير بدائل حقيقية وآمنة أمام الراغبين في العمل والحياة في أوروبا.
وأكدت الشبكة أن السنوات الثلاث الأخيرة شهدت، وفق البيانات التي تستند إليها، زيادة بنسبة 33% في أعداد الوفيات في البحار، إلى جانب تصاعد المخاطر والعنف والاستغلال على طرق الهجرة.
وأضافت أن مواجهة الهجرة غير النظامية تبدأ قبل رحلة البحر، من خلال الاتفاقيات الثنائية، والتدريب، والتأهيل، والقنوات القانونية، والتعاون بين دول المنشأ والمقصد.
الهجرة الجيدة.. البديل عن الهجرة غير النظامية
وتأتي هذه الدعوات في إطار بيان الهجرة الجيدة الذي تتبناه الشبكة الجمعوية والحركات المشاركة، والقائم على الشرعية والحقوق والواجبات والتدريب والعمل والاندماج ومكافحة الاستغلال.
كما تتقاطع هذه الرؤية مع البيان السياسي الدولي متعدد الثقافات الاتحاد من أجل إيطاليا، الذي يركز على الاندماج والمواطنة والمشاركة والشباب والجيل الثاني والعمل والصحة والتعاون الدولي.
وأكد عودة أن الهدف ليس منع الهجرة، وإنما تنظيمها وتحويلها إلى مسار قانوني وآمن يخدم المهاجر والدولة وسوق العمل في آن واحد.
وقال إن من يصل إلى إيطاليا بصورة قانونية ويعمل ويدرس ويحترم القواعد يجب أن تتاح له مسارات واضحة للاندماج، بينما ينبغي لمن يرغب في القدوم للعمل أن يجد قناة قانونية تغنيه عن اللجوء إلى المهربين.
واختتم عودة بالتأكيد على أن الأمن والاندماج والهجرة النظامية يجب أن تسير معاً، مشدداً على أن الحل الحقيقي لا يكمن في انتظار وقوع المآسي ثم التعامل معها، وإنما في التحرك المسبق عبر الوقاية والتخطيط والتعاون الدولي.
وأكدت الشبكة في ختام بيانها أن مكافحة الهجرة غير النظامية تمر عبر بناء هجرة جيدة تقوم على التدريب، والعمل، والشرعية، وحماية الحقوق، وفتح مسارات آمنة ومنظمة أمام من يحتاجهم سوق العمل الأوروبي.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض


