زينب إسماعيل تكشف تحدياتها كرئيسة لمسجد الهدى في روما: حملت هموم النساء والأسر
لم يكن تولي زينب إسماعيل رئاسة مسجد الهدى في العاصمة الإيطالية روما مجرد تجربة إدارية عابرة، وإنما جاء مصحوبًا بجملة من التحديات الاجتماعية والمجتمعية، خاصة أنها أصبحت في موقع قيادي داخل مؤسسة دينية في مجتمع أوروبي، في تجربة أثارت في بدايتها حالة من الدهشة والجدل داخل أوساط من أبناء الجالية، قبل أن تتحول مع مرور الوقت إلى نموذج للحضور المجتمعي للمرأة المصرية في الخارج.
وخلال حوار صحفي مع موقع “الوفد”، استعرضت زينب إسماعيل جانبًا من تجربتها، موضحة أن أصعب ما واجهته في البداية كان تقبل البعض لفكرة وجود امرأة على رأس مجلس إدارة مسجد، وما صاحب ذلك من اعتراضات وتساؤلات حول طبيعة الدور الذي تقوم به.
اعتراضات في البداية.. والإصرار على الاستمرار
وأوضحت إسماعيل أن اختيارها لرئاسة المسجد جاء في وقت لم يكن من المعتاد فيه أن تتولى امرأة هذا النوع من المسؤوليات، مشيرة إلى أن بعض الرجال لم يتقبلوا الأمر في البداية، إلا أن آخرين من أبناء الجالية، خاصة من أصحاب الفكر والتعليم، رأوا في التجربة فرصة لإظهار قدرة المرأة المسلمة على تحمل المسؤولية والعمل العام.
وأكدت أن دخولها هذا المجال لم يكن بحثًا عن منصب أو شهرة، وإنما جاء نتيجة سنوات من العمل التطوعي وخدمة الأسر ورواد المسجد، لافتة إلى أنها تعاملت مع الاعتراضات بهدوء، ولم تكن تسعى إلى الدخول في صدام مع أحد.
وأضافت أن مفهوم القوة بالنسبة إليها لا يرتبط بالمواجهة أو رفع الصوت، وإنما بمعرفة الإنسان لحقوقه وامتلاكه القدرة على الدفاع عن موقفه بالحجة والدليل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الاحترام المتبادل.
وشددت رئيسة مسجد الهدى على أهمية التمييز بين الدور الإداري والدور الديني، موضحة أنها لا تقوم بدور الإمام ولا تتولى إمامة المصلين، وإنما تتولى مسؤولية إدارية ومجتمعية داخل المسجد.
وأشارت إلى أن هذه النقطة كانت محل نقاش خلال لقاءاتها مع عدد من الشخصيات الدينية، من بينهم البابا فرنسيس، الذي التقت به مرتين، وترى إسماعيل أن تجربتها تؤكد أن المرأة يمكن أن يكون لها دور مؤثر في إدارة المؤسسات وخدمة المجتمع، دون أن يتعارض ذلك مع طبيعة الأدوار الدينية المتخصصة.
هموم النساء.. التحدي الأكبر
وكشفت إسماعيل أن جانبًا كبيرًا من التحديات التي واجهتها لم يكن مرتبطًا فقط بإدارة المسجد، وإنما بتعاملها اليومي مع مشكلات النساء والأسر المصرية والعربية المقيمة في إيطاليا.
وأوضحت أن المسجد أصبح مقصدًا للكثير من السيدات اللاتي يواجهن أزمات أسرية أو اقتصادية أو اجتماعية، مشيرة إلى أنها تعاملت مع حالات تتعلق بالعنف الأسري، ومشكلات السكن، ونقص الموارد المالية، وحالات احتاجت إلى مساعدة عاجلة للعودة إلى مصر.
وأكدت أن التعامل مع هذه الحالات كان يتطلب قدرًا كبيرًا من الصبر والقدرة على الاستماع، إلى جانب البحث عن حلول تحفظ للمرأة كرامتها وتساعدها على تجاوز أزمتها دون أن تشعر بأنها أصبحت عبئًا على الآخرين.
مواجهة العنف الأسري وحماية النساء والأطفال
ولفتت رئيسة مسجد الهدى إلى أن من أصعب الملفات التي تعاملت معها حالات لنساء تعرضن للعنف داخل الأسرة، مؤكدة أن المرأة التي تجد نفسها في وضع صعب تحتاج أولًا إلى الشعور بالأمان، ثم إلى من يساعدها على استعادة قدرتها على بناء حياتها من جديد.
واستعرضت خلال الحوار عددًا من الحالات الإنسانية التي تعاملت معها، من بينها سيدات تعرضن لمشكلات أسرية قاسية، مؤكدة أن دور المسجد لم يكن يقتصر على تقديم المساعدة المالية، وإنما امتد إلى محاولة توفير الدعم القانوني والاجتماعي وربط الحالات بالجهات القادرة على مساعدتها.
وأشارت إلى أنها تحلم بتحويل أحد المباني المتاحة إلى مكان آمن يمكن أن تستفيد منه النساء والأطفال الذين يواجهون ظروفًا أسرية صعبة، بحيث لا تضطر المرأة إلى البقاء في بيئة مؤذية خوفًا على أطفالها أو بسبب عدم وجود بديل آمن.
تحدي اللغة والعمل.. عقبات أمام المرأة المصرية
وأوضحت إسماعيل أن المرأة المصرية والعربية في إيطاليا تواجه كذلك تحديات مرتبطة باللغة والعمل، خاصة بالنسبة لمن تصل إلى البلاد دون امتلاك مستوى جيد في اللغة الإيطالية.
وقالت إن بعض النساء يفضلن البقاء في المنزل خوفًا من ارتكاب أخطاء بسبب ضعف اللغة، وهو ما قد يحد من قدرتهن على الاندماج في المجتمع والحصول على فرص عمل مناسبة.
وشددت على ضرورة تشجيع المرأة على تعلم اللغة الإيطالية واكتساب المهارات المهنية، مشيرة إلى أن مسجد الهدى يهتم بتعليم اللغة لغير الناطقين بها، مع وجود طموح للتوسع في التدريب المهني وتعليم بعض الحرف والمهن التي يمكن أن تساعد النساء على دخول سوق العمل.
تحدي الجيل الجديد والحفاظ على الهوية
وأضافت أن من أبرز التحديات التي تواجه المصريين في إيطاليا قضية الجيل الثاني والثالث، خاصة الشباب الذين ولدوا وتعلموا في المجتمع الإيطالي وأصبحوا أكثر ارتباطًا بالبيئة التي نشأوا فيها.
وأكدت أهمية الحفاظ على الصلة بين هؤلاء الشباب ومصر، ليس من خلال الشعارات فقط، وإنما عبر خلق مساحات حقيقية للتواصل والمشاركة، وتشجيعهم على زيارة مصر والتعرف إلى تاريخها وثقافتها، حتى تظل علاقتهم بالوطن قائمة مع مرور الأجيال.
صورة الإسلام.. مسؤولية يومية
وأشارت إسماعيل إلى أن أحد أهم التحديات التي وضعتها أمام نفسها منذ بداية تجربتها كان تقديم صورة إيجابية عن الإسلام والمسلمين داخل المجتمع الإيطالي.
وأكدت أنها كانت حريصة على أن يكون سلوك المسلمين وتعاملاتهم اليومية هو الرسالة الأولى التي تصل إلى المجتمع الإيطالي، موضحة أن المسلم في الخارج لا يمثل نفسه فقط في نظر البعض، وإنما قد يُنظر إليه باعتباره نموذجًا عن دينه وثقافته وبلده.
ولذلك حرصت، بحسب روايتها، على تعزيز العلاقات مع الكنائس والمؤسسات الإيطالية، والمشاركة في فعاليات الحوار بين الأديان، وتنظيم أنشطة تجمع المسلمين والمسيحيين، في محاولة لتأكيد أن الاختلاف الديني لا يمنع التعاون والعمل المشترك.
وتشير تجربتها إلى أن مواجهة الصور النمطية لا تتم فقط عبر الخطاب الديني أو الإعلامي، وإنما من خلال ممارسات يومية تؤكد قيم الاحترام والتكافل والتعايش، وهو نهج سبق أن ظهر في أنشطة مسجد الهدى التي جمعت المسلمين والمسيحيين في روما في مناسبات وفعاليات مشتركة.
وأكدت زينب إسماعيل أن تعدد التحديات التي واجهتها خلال سنوات عملها لم يدفعها إلى التراجع، موضحة أن العمل العام يحتاج إلى صبر طويل وقدرة على تحمل الانتقادات والضغوط، إلى جانب الإيمان بأهمية الدور الذي يقوم به الإنسان.
واختتمت بالتأكيد على أن تجربتها لا تعتبرها تجربة شخصية فقط، وإنما نموذجًا يمكن أن يمنح النساء المصريات في الخارج ثقة أكبر في قدرتهن على المشاركة والعمل وخدمة مجتمعاتهن، مع الحفاظ على هويتهن وصلتهن بالوطن.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض



