رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى



في المقال الأول، تحدثنا عن أزمة إدارة منظومة الصحافة، وعن ضرورة إعادة النظر في طريقة التعامل مع مؤسساتها، خاصة في ظل التحديات التي تواجه الصحف القومية والحزبية والخاصة، والحاجة إلى رؤية أكثر تكاملًا تضع مستقبل الصحافة المصرية في مقدمة الأولويات.
لكن هناك جانبًا آخر من الأزمة لا يقل أهمية، وربما كان هو جوهر الحكاية كلها.
ماذا تقدم الصحافة للقارئ؟
فالأصل في الصحافة أن تعود إلى وظيفتها الأولى؛ أن تبحث عن الحقيقة، وأن تطرح الرأي والرأي الآخر، وأن تمنح القارئ فرصة للفهم، لا أن تدفعه دائمًا إلى الانحياز قبل أن يعرف التفاصيل.
الصحافة ليست معركة لإثبات أن طرفًا على حق طوال الوقت، وطرفًا آخر مخطئ طوال الوقت.
وليست مهمتها أن تصنع خصومة دائمة بين الناس.
الصحافة الحقيقية هي التي تستمع إلى الجميع، وتعرض الوقائع، وتمنح كل طرف حقه في الرد، ثم تترك للقارئ مساحة التفكير والحكم.
لقد أصبحنا نعيش في زمن يطارد فيه البعض «الترند» أكثر مما يبحث عن الحقيقة.
أصبح الخبر أحيانًا يُقاس بعدد المشاهدات، والموضوع بعدد المشاركات، والعنوان بقدرته على إشعال الغضب، وكأن الصحافة تحولت إلى سباق يومي من أجل اللحاق بما يثير الناس، لا بما يهم الناس.
وهنا تكمن الخطورة.
فالترند ليس صحافة.
قد يكون موضوعًا يستحق التناول، وقد يكون مجرد موجة عابرة تنتهي بعد ساعات.
أما الصحافة، فوظيفتها أن تميز بين ما يهم الناس وما يثيرهم فقط.
ليس كل ما يتصدر مواقع التواصل يستحق أن يحتل الصفحة الأولى.
وليس كل ما يثير الجدل قضية رأي عام.
وليس كل شخص يملك هاتفًا ويكتب منشورًا يمتلك بالضرورة الحقيقة.
الصحافة تحتاج إلى أن تستعيد قدرتها على صناعة الموضوع، لا أن تظل طوال الوقت تلاحق ما يصنعه الآخرون.
نحن بحاجة إلى أفكار جديدة.
إلى تحقيقات تكشف ما لا يراه الناس.
إلى ملفات تفتح أبوابًا للنقاش.
إلى صحافة تبحث عن المستقبل، لا أن تظل أسيرة لما حدث بالأمس.
نحتاج إلى أن تسأل الصحيفة: ما القضية التي لم يتحدث عنها أحد؟ وما المشكلة التي يعيشها المواطن ولا تجد من يطرحها؟ وما الفكرة التي يمكن أن تضيف شيئًا حقيقيًا إلى المجتمع؟
فالإبداع الصحفي لا يعني التشهير، ولا اغتيال السمعة، ولا البحث عن فضيحة بأي ثمن.
الإبداع الحقيقي أن تطرح ما ينفع الناس.
أن تكشف الخلل دون ظلم.
أن تنتقد دون تصفية حسابات.
أن تمدح دون مجاملة.
وأن تضع الحقيقة فوق الرغبة في الانتشار.
لكن تطوير الصحافة لا يتوقف عند المؤسسة وحدها.
الصحفي نفسه مطالب بأن يعمل على نفسه.
العالم تغير، وأدوات الصحافة تغيرت، والقارئ تغير.
لم يعد كافيًا أن يعرف الصحفي كيف يكتب خبرًا أو يجري حوارًا أو يصيغ عنوانًا.
الصحفي اليوم يحتاج إلى أن يطور أدواته، وأن يقرأ أكثر، ويفهم التكنولوجيا، ويتعامل مع البيانات، ويعرف كيف يتحقق من المعلومات، ويدرك طبيعة المنصات الرقمية، ويملك القدرة على تحليل ما وراء الخبر، لا مجرد نقله.
نحن بحاجة إلى صحفي يقرأ في السياسة والاقتصاد والثقافة والتكنولوجيا والمجتمع، لأن القضايا لم تعد منفصلة كما كانت.
الخبر السياسي اليوم قد يكون وراءه قرار اقتصادي، والقرار الاقتصادي قد ينعكس على حياة المواطن، وما يحدث في المجتمع قد يكون مرتبطًا بالتعليم أو الثقافة أو التكنولوجيا. أما التكنولوجيا نفسها، فلم تعد مجرد أدوات نستخدمها، وإنما أصبحت قوة تغير الاقتصاد والسياسة وطريقة تفكير الناس، بل وتعيد تشكيل الإعلام نفسه.
فكيف يستطيع الصحفي أن يفهم قرارًا اقتصاديًا إذا لم يقرأ في الاقتصاد؟
وكيف يمكنه أن يحلل قضية سياسية إذا كان لا يعرف خلفياتها الاجتماعية؟
وكيف يستطيع أن يناقش تأثير الذكاء الاصطناعي إذا كان يتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها مجرد تطبيقات جديدة على الهاتف؟
وكيف يمكنه أن يتناول قضية ثقافية باعتبارها قضية هامشية، بينما الثقافة في جوهرها جزء من تشكيل وعي المجتمع وصورته عن نفسه وعن العالم؟
الصحفي لم يعد يستطيع أن يعيش داخل جزيرة تخصصه الضيقة.
صحيح أن التخصص مهم، بل لا يمكن الاستغناء عنه، لكن التخصص وحده لم يعد كافيًا. الصحفي المتخصص في الاقتصاد يحتاج إلى فهم السياسة، والصحفي السياسي يحتاج إلى معرفة الاقتصاد، والصحفي الثقافي يحتاج إلى إدراك التحولات الاجتماعية، والصحفي الرياضي لا يستطيع أن يتجاهل تأثير الاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا على الرياضة.
العالم أصبح متداخلًا إلى درجة أن القضية الواحدة قد تحمل في داخلها أكثر من عنوان.
قرار اقتصادي قد يصنع أزمة اجتماعية.
تطور تكنولوجي قد يغير سوق العمل.
عمل ثقافي قد يصبح أداة للقوة الناعمة.
منصة إلكترونية قد تؤثر في الرأي العام أكثر من صحيفة.
وأزمة اجتماعية قد تكون نتيجة تراكمات اقتصادية وتعليمية وثقافية في الوقت نفسه.
وهنا تظهر قيمة الصحفي الحقيقي.
ليس الصحفي الذي يعرف كل شيء، فهذا مستحيل، وإنما الصحفي الذي يعرف كيف يقرأ، وكيف يبحث، وكيف يسأل، وكيف يربط بين الأشياء.
الصحفي الجيد لا يكتفي بأن يعرف ماذا حدث، وإنما يحاول أن يفهم: لماذا حدث؟ وما الذي سبقه؟ ومن سيتأثر به؟ وما النتائج التي يمكن أن تترتب عليه؟
وهذه هي المسافة بين ناقل الخبر وصانع المعرفة.
فأن تقول إن الأسعار ارتفعت، فهذا خبر.
لكن أن تبحث عن أسباب الارتفاع، وتأثيره على الأسرة، وعلاقته بالأسواق، وانعكاسه على سلوك الناس، والسياسات التي يمكن أن تحد منه؛ هنا تبدأ الصحافة الحقيقية.
وأن تقول إن ظاهرة انتشرت على مواقع التواصل، فهذا نقل.
لكن أن تسأل لماذا انتشرت؟ ومن صنعها؟ ولماذا تفاعل معها الناس؟ وهل هي تعبير حقيقي عن المجتمع أم مجرد موجة إلكترونية عابرة؟ هنا يتحول الصحفي من متابع للترند إلى محلل لما وراء الترند.
إن الصحفي الذي لا يقرأ إلا ما يخص تخصصه قد يعرف جزءًا من الحقيقة، لكنه غالبًا لن يرى الصورة كاملة.
والحقيقة لا تعيش دائمًا في الخبر نفسه، وإنما في المسافة بين خبر وآخر، وبين السياسة والاقتصاد، وبين الثقافة والمجتمع، وبين التكنولوجيا والإنسان.
لذلك فإن تطوير الصحافة يبدأ أيضًا من تطوير الصحفي.
نحن بحاجة إلى صحفي يقرأ يوميًا، لا من أجل جمع المعلومات فقط، وإنما من أجل بناء عقل قادر على الفهم.
صحفي يقرأ كتابًا، ويتابع دراسة، ويستمع إلى خبير، ويعرف كيف يعود إلى المصادر الأصلية، ولا يكتفي بما تقوله منشورات مواقع التواصل.
صحفي يعرف أن «جوجل» ليس عقلًا بديلًا، وأن الذكاء الاصطناعي ليس بديلًا عن التفكير، وأن سرعة الوصول إلى المعلومة لا تعني بالضرورة فهمها.
فالصحفي الذي يمتلك أدوات البحث، ولا يمتلك القدرة على التحليل، قد يجمع معلومات كثيرة، لكنه لا يصنع منها معرفة.
والصحفي الذي يملك القدرة على الكتابة، ولا يملك ثقافة حقيقية، قد يصنع عنوانًا جذابًا، لكنه لن يستطيع بناء قضية.
وهنا نحن أمام مسؤولية مشتركة.
المؤسسة الصحفية مطالبة بأن تمنح صحفييها فرصة التدريب والتطوير، وأن تواكب التغيرات الهائلة في أدوات العمل.
والصحفي نفسه مطالب بألا ينتظر المؤسسة كي تطوره.
أن يقرأ.
أن يتعلم.
أن يعيد اكتشاف نفسه.
أن يدرك أن شهادة التخرج لا تعني نهاية التعلم، وأن سنوات الخبرة لا تعني أن أدواته ستظل صالحة إلى الأبد.
فالصحفي الذي بدأ عمله منذ عشرين عامًا لا يستطيع أن يعمل اليوم بالطريقة نفسها التي كان يعمل بها في بداية مشواره.
وكما تتغير التكنولوجيا، تتغير أدوات الصحافة.
وكما يتغير القارئ، يجب أن يتغير الصحفي.
لكن التغيير لا يعني أن نتخلى عن جوهر المهنة.
بل العكس تمامًا.
نحن نحتاج إلى صحفي أكثر تطورًا، لكي يحمي جوهر الصحافة: الدقة، والتحقق، والموضوعية، والرأي والرأي الآخر.
فالمعرفة الواسعة لا تعني أن يتحول الصحفي إلى خبير في كل شيء، وإنما تعني أن يكون قادرًا على طرح السؤال الصحيح، وفهم الإجابة، ومعرفة حدود ما يعرفه وما لا يعرفه.
وهذا في حد ذاته جزء من المهنية.
فأخطر ما يمكن أن يحدث للصحافة هو أن يتحدث الصحفي بثقة في موضوع لا يفهمه، لمجرد أن الجميع يتحدثون عنه.
وأخطر من ذلك أن تتحول الصحافة إلى إعادة تدوير لما تقوله مواقع التواصل.
الصحافة لا ينبغي أن تكون صدى للمجتمع فقط.
بل يجب أن تساعد المجتمع على فهم نفسه.
وهذا لا يحدث إلا عندما يمتلك الصحفي عقلًا مفتوحًا، وثقافة واسعة، وأدوات متطورة، وشغفًا حقيقيًا بالمعرفة.
فالصحافة في النهاية ليست مهنة من يعرف أكثر، وإنما مهنة من يبحث أكثر، ويفهم أكثر، ويسأل أفضل.
إن مؤتمر الإعلام في الثالث من ديسمبر المقبل يجب أن يكون فرصة حقيقية لطرح هذه الأسئلة.
ليس فقط: كم نريد من الحرية؟
ولكن أيضًا:
ماذا سنفعل بهذه الحرية؟
ما نوع الصحافة التي نريدها؟
هل نريد صحافة تلاحق الترند، أم صحافة تصنع القضايا؟
هل نريد صحافة تكتفي بتأكيد ما نعتقده، أم صحافة تمنحنا فرصة لرؤية الصورة كاملة؟
هل نريد صحفيًا يكرر ما يقال، أم صحفيًا يبحث ويسأل ويفكر ويضيف؟
إن المعركة الحقيقية ليست فقط من أجل هامش حرية أكبر، وإنما من أجل صحافة أفضل.
صحافة تعيد الاعتبار إلى الموضوعية.
صحافة تؤمن بأن الرأي والرأي الآخر ليسا ترفًا، وإنما جوهر المهنة.
صحافة تعرف أن الاختلاف لا يعني الخيانة، وأن النقد لا يعني الخصومة، وأن الدفاع عن الوطن لا يعني إخفاء المشكلات، كما أن كشف السلبيات لا يعني هدم الوطن.
نحن بحاجة إلى صحافة ناضجة.
صحافة لا تعيش على الضجيج.
ولا تتغذى على الشائعات.
ولا تجعل من «الترند» بوصلة وحيدة.
صحافة تملك شجاعة أن تقول ما يجب أن يقال، ولكن أيضًا تملك مسؤولية أن تتأكد قبل أن تقول.
وهنا ربما تكون هذه هي القضية الأهم التي يجب أن يحملها مؤتمر الثالث من ديسمبر:
أن تعود الصحافة إلى نفسها.
إلى الموضوعية.
إلى البحث.
إلى الرأي والرأي الآخر.
إلى الأفكار الجديدة.
وإلى صحفي يعرف أن أدواته تحتاج إلى تطوير دائم، وأن الصحافة لا يمكن أن تتقدم إذا ظل الصحفي نفسه واقفًا في المكان الذي بدأ منه.
فالصحافة لا تستعيد مكانتها بكثرة العناوين، ولا بارتفاع الأصوات، ولا بملاحقة كل ترند.
تستعيد مكانتها عندما يشعر القارئ أن هناك من يبحث من أجله عن الحقيقة.
وهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي.
من القارئ.
ومن الصحفي.
ومن الفكرة.
و من العودة إلى أصل الحكاية.
في النهاية، أتمنى أن يكون الثالث من ديسمبر، اليوم الذي دعا فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى عقد مؤتمر للإعلام، هو مؤتمر عودة الصحافة إلى نفسها.
عودة إلى الموضوعية، وإلى الرأي والرأي الآخر، وإلى صناعة الأفكار بدلًا من مطاردة الترند، وإلى صحفي يقرأ ويتعلم ويطور أدواته، وإلى صحافة تبحث عن الحقيقة وتحترم عقل القارئ.يوم حل الأزمات. 
الثالث من ديسمبر.. ليس فقط موعدًا لمؤتمر عن الإعلام، بل يمكن أن يكون بداية عودة الصحافة إلى نفسها.