رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى



كثيرًا ما يُختزل الحديث عن تراجع الصحافة المصرية في جملة واحدة: «نحن بحاجة إلى مزيد من الحرية». وكأن رفع هامش الحرية وحده قادر على إعادة المهنة إلى عافيتها، وإنقاذ الصحف من أزماتها، وإعادة القارئ إلى صفحاتها.
لكن الحقيقة أن الأزمة أكبر من ذلك بكثير.
فالحرية، مهما اتسع هامشها، لا تستطيع وحدها أن تصنع صحافة قوية إذا كانت المنظومة نفسها تعاني من خلل في الإدارة، وتفتت في المرجعيات، وغياب واضح للرؤية الموحدة تجاه مستقبل الصحافة ومؤسساتها.
لسنا أمام أزمة حرية فقط، بل أمام أزمة إدارة منظومة.
في الماضي، كانت الصحف القومية والحزبية والخاصة، رغم اختلاف ملكيتها وتوجهاتها، تعمل تحت مظلة واحدة ممثلة في المجلس الأعلى للصحافة، بينما كان الجميع يخضعون للمظلة المهنية الجامعة: نقابة الصحفيين.
أما اليوم، فقد أصبحت الصحف موزعة بين أكثر من جهة؛ فهناك مؤسسات تتبع الهيئة الوطنية للصحافة، وأخرى تتبع المجلس الأعلى لتنظيم  الإعلام،و هو تفتيت للمهنة من الداخل حتى فى ظل وحود  النقابة  كمظلة مهنية للصحفيين جميعًا.
وهنا يطرح الواقع سؤالًا مهمًا:
هل ساهم هذا التوزيع في إدارة أكثر كفاءة للمنظومة؟ أم أنه أدى، في بعض الأحيان، إلى مزيد من التباعد بين مؤسسات يفترض أنها تعمل جميعًا داخل مهنة واحدة، وتواجه الأزمة نفسها، وتبحث عن مستقبل واحد؟
الصحافة ليست مجرد مؤسسات ملكيتها قومية أو حزبية أو خاصة. الصحافة في النهاية مهنة واحدة، لها قواعدها وأخلاقياتها، ولها تحديات مشتركة، من تراجع التوزيع، إلى ضعف الإعلان، إلى تغير عادات الجمهور، وصولًا إلى المنافسة الشرسة مع منصات التواصل الاجتماعي.
ومن هنا، فإن معالجة الأزمة لا يمكن أن تبدأ من سؤال واحد: «هل نرفع هامش الحرية؟».
السؤال الأهم هو: كيف نعيد بناء منظومة صحفية متماسكة؟
نحن بحاجة إلى مظلة تنسيقية حقيقية تجمع أطراف الصناعة الصحفية، لا لتفرض رأيًا واحدًا، ولا لتصادر استقلال المؤسسات، وإنما لتضع رؤية مشتركة لمستقبل المهنة، وتتعامل مع الأزمات باعتبارها أزمات قطاع كامل، لا أزمات مؤسسات منفردة.
فالصحيفة الخاصة ليست عدوًا للصحيفة القومية، والصحيفة الحزبية ليست خصمًا للصحيفة الخاصة. الجميع في النهاية يواجهون تحديات واحدة، وإن اختلفت طبيعة الملكية ومصادر التمويل.
بل إن بعض الصحف الخاصة والحزبية تتحمل أعباء قاسية، وتكافح من أجل الاستمرار، بينما تزداد تكاليف الطباعة والتشغيل، وتتراجع موارد الإعلان، وينصرف القارئ إلى المحتوى المجاني والسريع على المنصات الرقمية.
وفي مثل هذه الظروف، لا يجوز أن نتعامل مع الأزمة بمنطق: هذه صحيفة خاصة، وتلك حزبية، وهذه قومية.
إنها جميعًا جزء من صناعة واحدة اسمها الصحافة المصرية.
والحقيقة أن الصحافة تحتاج إلى إدارة اقتصادية ومهنية أكثر وعيًا. تحتاج إلى إعادة النظر في نماذج العمل، وتطوير المحتوى، ودعم التحول الرقمي، وتخفيف الأعباء عن المؤسسات التي تكافح من أجل البقاء، وخلق سياسات تضمن المنافسة العادلة، لا أن تترك بعض المؤسسات تواجه مصيرها منفردة.
كما تحتاج إلى إعادة الاعتبار إلى الصحافة المهنية نفسها.
فرفع هامش الحرية لا يعني إطلاق الفوضى، كما أن الحفاظ على المهنة لا يعني التضييق عليها. الحرية الحقيقية تحتاج إلى صحفي يعرف مسؤولية الكلمة، ومؤسسة تحترم عقل القارئ، وإدارة تمتلك رؤية، ومنظومة قادرة على المحاسبة والتصحيح.
لا يمكن أن نطلب من الصحافة أن تكون قوية، ثم نترك مؤسساتها تعاني وحدها.
ولا يمكن أن نطالب الصحفي بالمهنية، ثم نغفل عن الظروف التي يعمل فيها، وعن مستقبل المؤسسة التي ينتمي إليها.
ولا يمكن أن نتحدث عن تطوير الإعلام بينما تتعامل كل جهة مع جزء من المشهد، دون رؤية متكاملة للمشهد كله.
لقد آن الأوان للتوقف عن صناعة الفتن داخل البيت الصحفي.
ليس مطلوبًا أن نضع الصحفي القومي في مواجهة الصحفي الحزبي، أو الخاص في مواجهة القومي، أو أن نحول اختلاف الملكية إلى صراع مهني.
الصحافة المصرية تحتاج إلى مظلة واحدة تجمع الجميع، تحفظ استقلال كل مؤسسة، وتحمي قواعد المهنة، وتساعد المؤسسات المتعثرة، وتضع تصورًا واضحًا لمستقبل الصحافة.
نحن لا نحتاج فقط إلى حرية أكبر.
نحتاج إلى إدارة أفضل.
وإلى محتوى أفضل.
وإلى مؤسسات أكثر قدرة على الاستمرار.
وإلى منظومة لا تنظر إلى الصحافة باعتبارها مجرد ملكيات متفرقة، وإنما باعتبارها صناعة وطنية واحدة، تختلف مؤسساتها، لكن يجمعها مستقبل واحد.
فالمشكلة ليست في أن نرفع هامش الحرية فقط، وإنما في أن نعيد بناء البيت من الداخل.
لأن الصحافة لا تموت فقط عندما تُقيد حريتها، بل قد تضعف أيضًا عندما تُترك مؤسساتها بلا رؤية، ومهنتها بلا تطوير، وصحفييها بلا حماية، ومستقبلها بلا إدارة.

 

ولعل دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى عقد مؤتمر للإعلام في الثالث من ديسمبر المقبل، تمثل فرصة حقيقية لا ينبغي أن تمر كغيرها من الدعوات والمناسبات. فالصحافة المصرية مطالبة بأن تدخل هذا المؤتمر بأوراق عمل حقيقية، لا بمجرد كلمات عامة أو مقترحات إنشائية.
أتمنى أن تقوم كل مؤسسة صحفية، قومية أو حزبية أو خاصة، بإعداد ورقة عمل واضحة، تطرح فيها مشكلاتها الحقيقية، وتقدم حلولًا قابلة للتنفيذ، وأن تكون هذه الأوراق نابعة من داخل المؤسسات، من واقع ما يعيشه الصحفيون والإداريون والعاملون فيها.
كما أتمنى أن يفتح المؤتمر الباب أمام الصحفيين للمشاركة الفردية، بعيدًا عن التمثيل المؤسسي وحده؛ فداخل كل مؤسسة صحفية أفكار ورؤى وتجارب تستحق أن تُسمع. وقد يمتلك صحفي شاب، يعمل في غرفة الأخبار، رؤية أكثر واقعية من كثير من التقارير الرسمية.
نحن لا نحتاج إلى مؤتمر يتحدث عن الصحافة من خارجها، وإنما إلى مؤتمر تستمع فيه الدولة إلى أهل المهنة، وتستمع فيه المؤسسات إلى صحفييها، ويشارك الجميع في صياغة مستقبل المهنة.
إنها فرصة حقيقية لكي نضع مشكلات الصحافة على الطاولة كما هي، بلا تجميل ولا إنكار، وأن نبحث عن حلول لا تعالج عرضًا واحدًا، وإنما تعيد بناء المنظومة كلها.
فالمؤتمر يجب ألا يكون مجرد مناسبة للحديث عن أزمة الصحافة، بل بداية حقيقية لإدارة هذه الأزمة.
والأهم أن يكون لكل مؤسسة صوت، ولكل صحفي رأي، ولكل فكرة جادة فرصة لأن تُناقش.
فإذا كنا نريد صحافة أفضل، فعلينا أولًا أن نسمع أهل الصحافة.
وفي النهاية، فإن إنقاذ الصحافة لا يكون بزيادة الشعارات، وإنما بإدارة حقيقية للمنظومة.
فالحرية مهمة.. لكن الحرية وحدها لا تصنع صحافة.
والمحتوى مهم.. لكن المحتوى وحده لا ينقذ مؤسسة.
والإدارة هي التي تجمع كل ذلك في منظومة قادرة على البقاء.