«العقول المصرية في الخارج ثروة».. أحمد أبوسيد يقترح لجنة علمية للاستفادة من خبرات المصريين عالميًا
في الوقت الذي تتسابق فيه الدول على جذب العقول والخبرات العلمية والاستفادة من الكفاءات الموجودة داخل حدودها وخارجها، تبرز الكفاءات المصرية المنتشرة في مختلف دول العالم باعتبارها واحدة من أهم الموارد البشرية التي يمكن أن تدعم مسيرة التنمية في مصر.
وفي هذا السياق، دعا الدكتور أحمد أبوسيد، الخبير العالمي في مجالات الطاقة والبيئة والمناخ بالولايات المتحدة الأمريكية، أثناء حديثه للوفد، إلى إنشاء لجنة علمية متخصصة تضم خبراء وعلماء مصريين من الداخل والخارج، بهدف الاستفادة من الخبرات المصرية الموجودة في المؤسسات العلمية والبحثية والاقتصادية الكبرى حول العالم.

وأكد أبوسيد أن مصر تمتلك ثروة بشرية كبيرة، لا تقتصر على الكفاءات الموجودة داخل الجامعات والمؤسسات المصرية، وإنما تمتد إلى آلاف العلماء والمهندسين والخبراء المصريين الذين يعملون في الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها من دول العالم، ويتولون مواقع متقدمة في مجالات علمية وتكنولوجية واقتصادية مختلفة.
وأوضح أن هذه الكفاءات يمكن أن تمثل عنصر دعم حقيقي لخطط الدولة، خصوصًا في الملفات التي تحتاج إلى خبرات متخصصة ورؤية علمية طويلة الأجل، مثل الطاقة والمناخ والبيئة والصناعة والزراعة والتعليم والتكنولوجيا.
لجنة علمية بدلًا من الاستعانة الفردية
ويرى أبوسيد أن الاستفادة من خبرات المصريين في الخارج يجب ألا تقتصر على الاستعانة بخبير أو اثنين بصورة مؤقتة أو في مناسبات محددة، وإنما تحتاج إلى إطار مؤسسي دائم يضمن استمرار التواصل بين الدولة والكفاءات المصرية حول العالم.
وقال إن إنشاء لجنة أو مجلس علمي متخصص يمكن أن يوفر قناة منظمة تسمح بالاستماع إلى عدد أكبر من الخبراء، والاستفادة من اختلاف تخصصاتهم وتجاربهم الدولية، بدلًا من الاعتماد على آراء فردية قد لا تغطي جميع جوانب القضية المطروحة.
وأوضح أن اللجنة المقترحة يمكن أن تضم متخصصين في مجالات مختلفة وفقًا للملف الذي يتم بحثه، بحيث تقدم تقييمات علمية مستقلة، وتطرح بدائل وحلولًا، وتشارك في تقييم المشروعات والسياسات قبل تنفيذها.
وأضاف أن الهدف ليس أن تحل اللجنة محل مؤسسات الدولة أو الجهات التنفيذية، وإنما أن تكون بيت خبرة علميًا يساعد صانع القرار على الوصول إلى أفضل الخيارات المتاحة بناءً على البيانات والدراسات والخبرات المتراكمة.
المصريون في الخارج.. خبرات من قلب المؤسسات العالمية
وأشار الخبير العالمي إلى أن المصريين المنتشرين في الخارج يعملون في مؤسسات وجامعات وشركات ومراكز بحثية متقدمة، واكتسبوا خلال سنوات عملهم خبرات مرتبطة بأحدث التطورات العلمية والتكنولوجية.
وأكد أن هذه الخبرات تمثل فرصة يمكن لمصر الاستفادة منها في العديد من القطاعات، خصوصًا أن بعض هؤلاء الخبراء شاركوا بالفعل في مشروعات دولية كبرى، أو عملوا على تطوير حلول وتقنيات في مجالات أصبحت ذات أهمية متزايدة للاقتصاد العالمي.
وأوضح أن الاستفادة من هذه الخبرات لا تعني بالضرورة عودة جميع العلماء المصريين إلى مصر بصورة دائمة، وإنما يمكن إنشاء آليات تسمح لهم بالمشاركة من مواقعهم في الخارج من خلال اللجان العلمية والاستشارات والمشروعات البحثية والبرامج التدريبية ونقل المعرفة.
الاختلاف العلمي ليس مشكلة
وشدد أبوسيد على أهمية تقبل الاختلاف في وجهات النظر داخل أي منظومة علمية، مؤكدًا أن اختلاف العلماء والخبراء في تقييم قضية أو مشروع لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشكلة.
وقال إن الاختلاف العلمي يمثل جزءًا طبيعيًا من عملية البحث واتخاذ القرار، لأن وجود أكثر من رأي يسمح بمناقشة البدائل والتعرف على نقاط القوة والضعف في كل مقترح.
وأوضح أن الدولة تحتاج إلى مجالس ولجان علمية متخصصة في الملفات الكبرى، على أن تضم هذه اللجان خبراء من مدارس علمية وتجارب مختلفة، بما يضمن الوصول إلى تقييم أكثر شمولًا.
وأضاف أن الرأي المخالف لا يجب أن يكون سببًا في إقصاء صاحبه، وإنما يجب أن يكون دافعًا لمناقشة الأدلة والبيانات التي يستند إليها، ثم اختيار القرار الأكثر ملاءمة بناءً على المعايير العلمية والاقتصادية.
العلم والبيانات أساس صناعة القرار

وأكد الخبير المصري أن الملفات الكبرى التي تواجه مصر، خاصة في الطاقة والمناخ والبيئة، تحتاج إلى قرارات تستند إلى العلم والبيانات وليس فقط إلى التقديرات العامة.
وأشار إلى أن طبيعة هذه الملفات معقدة ومترابطة، وأن أي قرار في قطاع مثل الطاقة، على سبيل المثال، يمكن أن تكون له انعكاسات على الاقتصاد والبيئة والصناعة والمياه والأمن الغذائي.
ومن هنا، يرى أبوسيد أن وجود لجان علمية متخصصة يمكن أن يساعد في تقديم صورة متكاملة لصانع القرار، من خلال دراسة السيناريوهات المختلفة وتقييم التكلفة والمخاطر والفرص قبل اتخاذ القرار.
«ليس عيبًا أن تطلب الدولة العلم»
ووجّه أبوسيد رسالة مباشرة بشأن أهمية الاستعانة بالخبرات المصرية في الخارج، مؤكدًا أن طلب الدولة للمشورة العلمية والاستعانة بالخبراء لا يمثل انتقاصًا من قدراتها، وإنما يعكس رغبة في الوصول إلى أفضل الحلول.
وقال إن «ليس عيبًا أن تطلب الدولة العلم والاستعانة بالخبرات»، موضحًا أن الدول المتقدمة نفسها تستعين بخبراء ومتخصصين من داخلها وخارجها عند إعداد السياسات أو تنفيذ المشروعات الكبرى.
وأشار إلى أن العالم أصبح قائمًا على تبادل المعرفة والخبرات، وأن الاستفادة من العقول الموجودة خارج الحدود يمكن أن تكون جزءًا من استراتيجية الدولة لتطوير قدراتها العلمية والتكنولوجية.
الاستفادة من الداخل والخارج معًا
وشدد الخبير العالمي على أن الهدف من المقترح ليس وضع الخبرات المصرية في الخارج في مواجهة العلماء والخبراء الموجودين داخل مصر، وإنما الجمع بين الطرفين.
وأوضح أن مصر تمتلك كوادر علمية متميزة داخل الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات المختلفة، وفي الوقت نفسه لديها علماء وخبراء مصريون يعملون في بيئات علمية واقتصادية متقدمة بالخارج.
وأكد أن الجمع بين هذه الخبرات يمكن أن يخلق شبكة معرفية واسعة تساعد على نقل أحدث التجارب العالمية إلى مصر، وفي الوقت نفسه تمنح العلماء المصريين في الخارج فرصة للمساهمة في تطوير بلدهم.
من الخبرة إلى التنفيذ
ويرى أبوسيد أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في معرفة أماكن وجود العلماء المصريين حول العالم، وإنما في إنشاء آلية عملية لتحويل خبراتهم إلى سياسات ومشروعات قابلة للتنفيذ.
وأوضح أن اللجنة المقترحة يجب ألا تكون مجرد كيان استشاري يصدر توصيات، وإنما يمكن أن ترتبط بآليات واضحة لمتابعة ما يتم طرحه، وقياس مدى إمكانية تطبيقه، وتقييم النتائج بعد التنفيذ.
وأضاف أن وجود هذه المنظومة يمكن أن يساعد الدولة على الاستفادة من الخبرات المتخصصة في مراحل مختلفة، بدءًا من وضع التصورات ودراسات الجدوى، مرورًا بتقييم المشروعات، وصولًا إلى متابعة التنفيذ وتحديد نقاط القوة والضعف.
ثروة بشرية تنتظر قناة مؤسسية
واختتم أبوسيد بالتأكيد على أن مصر تمتلك ثروة حقيقية من العقول والخبرات المصرية حول العالم، وأن الاستفادة منها لا تتطلب بالضرورة استقدام الجميع إلى الداخل، وإنما تحتاج قبل كل شيء إلى قناة مؤسسية واضحة ومستدامة.
وأوضح أن إنشاء لجنة علمية تضم خبراء مصريين من الداخل والخارج يمكن أن يكون خطوة نحو بناء جسر دائم بين الكفاءات المصرية ومؤسسات الدولة، بما يسمح بتحويل الخبرات المتراكمة في الخارج إلى أفكار وحلول وبرامج تخدم الاقتصاد والمجتمع.
وبحسب رؤية أبوسيد، فإن مصر لا تحتاج إلى البحث عن الخبرة بعيدًا، لأن جزءًا كبيرًا منها مصري بالفعل، لكنه يعمل في جامعات ومؤسسات وشركات حول العالم، وما تحتاجه هو منظومة قادرة على الوصول إلى هذه العقول، والاستماع إليها، والاستفادة منها، ثم تحويل المعرفة إلى قرارات ومشروعات على أرض الواقع.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







