طرحها أمام الرئيس.. أحمد أبوسيد يكشف كيف بدأت فكرة شراء الكهرباء الشمسية؟
في إطار محاولات مصر التوسع في إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، ظهرت قبل سنوات تجربة تستهدف تشجيع المواطنين والمستثمرين على إنشاء مشروعات لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، ثم بيع الكهرباء المنتجة إلى شبكة الكهرباء.
وكانت الفكرة تستهدف تحقيق أكثر من هدف في الوقت نفسه، من بينها زيادة الاعتماد على الطاقة النظيفة، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في مشروعات الطاقة المتجددة، والاستفادة من قدرات إنتاجية يمكن إضافتها إلى الشبكة دون أن تتحمل الدولة وحدها تكلفة إنشاء محطات جديدة.
لكن التجربة واجهت تحديات اقتصادية مع تغيرات أسعار الصرف وارتفاع تكلفة المعدات المستوردة، وهو ما أعاد طرح تساؤل مهم: “لماذا لم تحقق فكرة شراء الكهرباء الشمسية من المواطنين والمستثمرين النتائج المتوقعة؟”
الدكتور أحمد أبوسيد، الخبير العالمي في مجالات الطاقة والبيئة والمناخ بالولايات المتحدة الأمريكية، كشف أثناء حديثه للوفد، جانبًا من خلفية التجربة، موضحًا أنه كان من بين أصحاب الخبرات المصرية في الولايات المتحدة الذين طرحوا فكرة الاستفادة من تجارب دول أخرى في مجال إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وبيعها للشبكة.
البداية من تجربة كاليفورنيا

وأوضح أبوسيد أنه طرح الفكرة خلال لقاء مع الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2014، ضمن مجموعة من المصريين أصحاب الخبرات في الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن الهدف كان الاستفادة من التجارب الناجحة في مجال تشجيع المواطنين والقطاع الخاص على إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية.
وأشار إلى تجربة ولاية كاليفورنيا الأمريكية، التي تتيح لأصحاب المشروعات الخاصة إنتاج الكهرباء وبيعها إلى شركات الكهرباء، بما يخلق حافزًا اقتصاديًا للاستثمار في الطاقة الشمسية.
وبعد ذلك، بدأت مصر في تطبيق آليات لتشجيع إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وبيعها إلى الشبكة، ضمن توجه أوسع لزيادة مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء.
وفي ذلك الوقت، تم تحديد سعر لشراء الكهرباء المنتجة من مشروعات الطاقة الشمسية، بلغ نحو 92 قرشًا للكيلووات ساعة، وهو السعر الذي كان يستهدف توفير حافز للمستثمرين للدخول في هذا النوع من المشروعات.
لماذا توقفت أحلام «الكهرباء من الشمس»
بحسب أبوسيد، فإن التحدي الأساسي لم يكن في فكرة شراء الكهرباء من المواطنين أو المستثمرين نفسها، وإنما في آلية التسعير ومدى قدرتها على مواكبة المتغيرات الاقتصادية.
وأوضح أن مشروعات الطاقة الشمسية تعتمد بدرجة كبيرة على معدات يتم استيرادها من الخارج، وعلى رأسها الألواح الشمسية وبعض المكونات والمعدات المرتبطة بالمحطات، وبالتالي فإن تكلفة إنشاء المشروع تتأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة بسعر الدولار،وفي المقابل كان سعر شراء الكهرباء محددًا بالجنيه المصري.
وقال إن هذه المعادلة أصبحت أكثر صعوبة مع التغيرات الكبيرة التي طرأت على سعر صرف الدولار، موضحًا أن المستثمر الذي كان يحسب تكلفة مشروعه على أساس سعر صرف يقارب 7 جنيهات للدولار، وجد نفسه أمام تكاليف مختلفة تمامًا عندما ارتفع سعر الدولار إلى مستويات أعلى.
«92 قرشًا» فقدت جزءًا من قيمتها
وأشار الخبير العالمي إلى أن تثبيت سعر شراء الكهرباء عند رقم محدد بالجنيه، في الوقت الذي ترتفع فيه تكلفة المعدات المستوردة، يؤدي بمرور الوقت إلى تراجع القيمة الاقتصادية الفعلية للسعر بالنسبة للمستثمر.
وأوضح أن 92 قرشًا للكيلووات ساعة كانت لها قيمة اقتصادية في وقت تحديدها تختلف تمامًا عن قيمتها بعد تغير سعر الصرف وارتفاع تكاليف المعدات.
وأضاف أن المستثمر لا ينظر فقط إلى سعر بيع الكهرباء، وإنما يقارن هذا السعر بالتكلفة الإجمالية لإنشاء المشروع، وتكاليف التمويل والتشغيل والصيانة، والفترة المطلوبة لاسترداد رأس المال.
وبالتالي، فإن أي تغير كبير في تكلفة إنشاء المحطة دون وجود آلية مقابلة لتحديث سعر شراء الكهرباء يمكن أن يؤثر على الجدوى الاقتصادية للمشروع.
الدولار كان العامل الحاسم
وأكد أبوسيد أن تغير سعر الدولار كان من أبرز العوامل التي أثرت في المعادلة الاقتصادية لمشروعات الطاقة الشمسية، لأن جزءًا كبيرًا من تكلفة المشروع يرتبط بمعدات مستوردة.
وأوضح أن المشكلة تظهر عندما يكون الدخل بالجنيه بينما جزء كبير من التكلفة مرتبط بالدولار، لأن انخفاض قيمة العملة المحلية أمام الدولار يعني ارتفاع التكلفة الفعلية للمعدات بالنسبة للمستثمر.
وأشار إلى أن استمرار تثبيت سعر شراء الكهرباء دون مراجعة دورية وفقًا للمتغيرات الاقتصادية قد يجعل بعض المشروعات أقل جاذبية من الناحية الاستثمارية، خصوصًا المشروعات التي تحتاج إلى رأس مال كبير في البداية.
ما الحل من وجهة نظر الخبير؟

يرى أبوسيد أن الحل لا يتمثل في التخلي عن فكرة شراء الكهرباء المنتجة من الطاقة الشمسية، وإنما في وضع آلية تسعير مرنة قادرة على التعامل مع التغيرات الاقتصادية.
وأوضح أن السعر يجب أن يأخذ في الاعتبار تكلفة المعدات وسعر الصرف ومعدلات التضخم وتكلفة التمويل، بحيث يتم الحفاظ على جاذبية الاستثمار دون تحميل الدولة أو المستهلك أعباء غير مبررة.
وأكد أن وجود قواعد واضحة ومستقرة يمثل عنصرًا أساسيًا في جذب المستثمرين، لأن المستثمر يحتاج إلى القدرة على التنبؤ بالتدفقات المالية للمشروع خلال سنوات التشغيل.
وقال إن تثبيت رقم واحد لفترات طويلة قد لا يكون مناسبًا في اقتصاد يتعرض لتغيرات كبيرة في أسعار الصرف وتكاليف المعدات.
لماذا تستفيد الدولة من شراء الكهرباء من المواطنين؟
وأوضح أبوسيد أن إنتاج المواطنين والمستثمرين للكهرباء الشمسية وبيعها إلى الشبكة يمكن أن يمثل ميزة مهمة للدولة، لأنه يسمح بتوسيع قدرات إنتاج الكهرباء دون أن تتحمل الحكومة وحدها تكلفة إنشاء جميع محطات التوليد.
فبدلًا من أن تتحمل الدولة تكلفة بناء المحطات وشراء المعدات وتمويل المشروعات، يمكن للقطاع الخاص والأفراد ضخ استثماراتهم في إنشاء قدرات شمسية جديدة، بينما تستفيد الشبكة من الكهرباء المنتجة.
وأشار إلى أن هذا النموذج يمكن أن يتحول إلى شراكة اقتصادية بين الدولة والمواطن والمستثمر، بشرط وجود نظام واضح وعادل لشراء الكهرباء.
ميزة مهمة.. الكهرباء الشمسية تأتي في وقت الذروة
ولفت الخبير العالمي إلى أن الطاقة الشمسية تتمتع بميزة إضافية، تتمثل في أن إنتاجها يتركز خلال ساعات النهار، وهي الفترة التي يرتفع خلالها الطلب على الكهرباء في كثير من الأحيان.
وأوضح أن زيادة إنتاج الكهرباء الشمسية خلال ساعات النهار يمكن أن تساعد في تخفيف الضغط على الشبكة وتقليل الاعتماد على بعض مصادر التوليد التقليدية خلال فترات ارتفاع الاستهلاك.
وأضاف أن التوسع في الطاقة الشمسية على أسطح المنازل والمنشآت والمشروعات الخاصة يمكن أن يضيف قدرات إنتاجية موزعة في مناطق مختلفة، وهو ما يفتح مجالًا أمام نموذج أكثر مرونة في إنتاج الكهرباء.
تجربة تحتاج إلى إعادة ضبط لا إلى إلغاء
وشدد أبوسيد على أن التحديات التي واجهت التجربة لا تعني فشل فكرة شراء الكهرباء الشمسية من المواطنين، وإنما تكشف أهمية تصميم السياسات الاقتصادية بطريقة تستطيع التعامل مع المتغيرات.
وأوضح أن الطاقة الشمسية أصبحت قطاعًا استثماريًا مهمًا، وأن نجاح أي برنامج لشراء الكهرباء المنتجة من المواطنين يحتاج إلى تحقيق توازن بين سعر عادل للمستثمر، وتكلفة مناسبة للدولة، وحماية مصالح المستهلك.
وأكد أن وجود سعر شراء واضح، وفترة تعاقد مستقرة، وآلية لمراجعة الأسعار عند حدوث تغيرات اقتصادية كبيرة، يمكن أن يساعد على إعادة جذب الاستثمارات إلى هذا النوع من المشروعات.
نموذج يمكن أن يدعم تحول مصر للطاقة النظيفة
واختتم أبوسيد بالتأكيد على أن السماح للمواطنين والمستثمرين بإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وبيعها للشبكة يمكن أن يكون أحد الأدوات المهمة لدعم تحول مصر نحو الطاقة النظيفة.
وأوضح أن نجاح النموذج يتوقف على وجود سياسة تسعير واقعية ومرنة، تأخذ في الاعتبار تكلفة الاستثمار وسعر الصرف وتطور التكنولوجيا، بدلًا من الاعتماد على سعر ثابت قد يفقد قيمته الاقتصادية مع مرور الوقت، وبذلك فإن قصة «92 قرشًا» لا تعكس مشكلة في الطاقة الشمسية نفسها، بقدر ما تكشف أهمية ربط أسعار شراء الكهرباء بالمتغيرات الاقتصادية، حتى تظل مشروعات الطاقة المتجددة قادرة على جذب المستثمرين وتحقيق عائد عادل، وفي الوقت نفسه تحقق للدولة والمستهلك أكبر استفادة ممكنة من الطاقة النظيفة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







