بالنظر الى ما أُثير مؤخرًا حول إظهار وزارة الأوقاف لحُجة يعود تاريخها الى أكثر من 400 عام، منذ عام 1008 هـ، تُعرف باسم «وقف الأمير مصطفى المنان»، يتبين أن هناك سياسة مستميتة من جانب وزارة الأوقاف للاستيلاء على ممتلكات وأراضى المواطنين فى مختلف محافظات مصر، تحت أى ذريعة، ووفقًا لأهواء السياسة العامة للحكومة.
وبالرجوع الى تاريخ هذه الحُجة، نجد أنها تعود الى فترة حكم السلطان محمد الثالث، السلطان الثالث عشر للدولة العثمانية، والتى توافق عامى 1599 و1600 ميلاديًا، وقد تُوفى عام 1603، إلا أن كتب التاريخ لم تذكر وجود أمير يُدعى مصطفى عبد المنان خلال تلك الفترة، بينما الثابت تاريخيًا أن الأمير مصطفى عبد المنان «مصطفى بن قاسم» هو أمير عثمانى عاش فى القرن السابع عشر، وتحديدًا خلال الفترة من 1617 الى 1687، أى بعد وفاة السلطان محمد الثالث بعقد ونصف من الزمن.
وقد تأسست وزارة الأوقاف عام 1913، وعلى مدار 113 عامًا لم تمارس أى أعمال أو تصرفات تدل على وجود وقف بهذه المساحة الشاسعة لأمير من أمراء الدولة العثمانية أو أسرة محمد على، كما لم يرد على مسامع المؤرخين اسم أمير ذى شأن يُدعى مصطفى عبد المنان، حتى يكون مالكًا لما يُقارب 7% من مساحة مصر.
ومن المعلوم أن تاريخ الحُجج والملكيات فى مصر ممتد منذ الفتح الإسلامى، وله أوضاع مستقرة وفقًا لإجراءات وقوانين ومراسيم منظمة، بينما يعود تاريخ الحُجة محل النزاع الى عام 1008 هجرية.
واللافت أن حُجة وقف «المنان» لم تُودع بدار الوثائق إلا فى فبراير 2026، أى بعد أكثر من أربعة قرون من تاريخها المزعوم، وعلى الفور تقدمت وزارات الأوقاف والعدل والتنمية المحلية بطلب الى هيئة المساحة للحصول على توقيع مساحى مكتبى على هذه الحُجة، الأمر الذى يثير شكوكًا واسعة حول صحتها من الأساس، خاصة أن هيئة المساحة منحت بالفعل الوزارات الثلاث صحة التوقيع.
وبدأت الأزمة فعليًا فى الثامن من مايو الجارى، عندما زار الدكتور أسامة الأزهرى، وزير الأوقاف، مدينتى دمياط الجديدة ورأس البر لافتتاح عدد من المساجد، بالتزامن مع احتفالات محافظة دمياط بعيدها القومى، فى حين كان قرار وقف التعامل على أراضى المحافظات الثلاث قد صدر فى السادس من مايو الجارى، أى قبل الزيارة بيومين. وقبل انتهاء يوم الزيارة، بدأت تتردد أحاديث بين الأهالى فى دمياط والدقهلية وكفر الشيخ حول ما يُجرى الإعداد له منذ بداية العام.
وصدر المنشور الفنى رقم 8 من مصلحة الشهر العقارى، والمعمم على مكاتب الشهر العقارى ومأمورياتها ومكاتب التوثيق وفروعها والإدارات العامة بالمصلحة، متضمنًا فى ديباجته ورود كتاب السيد القاضى مساعد وزير العدل لشؤون الشهر العقارى والتوثيق رقم 5038 المؤرخ 4 / 5 / 2026 «سرى»، والمرفق به كتاب السيد المستشار مساعد وزير العدل لشؤون المكتب الفنى للوزير رقم 819 بتاريخ 30 / 4 / 2026، والمتضمن التوجيه بوقف أى إجراءات أو تعاملات أو تصرفات تتعلق بالأراضى محل حُجة وقف الأمير مصطفى عبد المنان، وعدم السير فى أى إجراءات لحين الانتهاء من حصر الأراضى، كما ورد كتاب آخر من مساعد وزير العدل لشؤون الشهر العقارى والتوثيق رقم 5845 المؤرخ 5 / 5 / 2026 «سرى»، بالموافقة على إذاعة المنشور الفنى.
ويشمل الوقف كامل أراضى محافظة دمياط، إضافة الى آلاف الافدنة الزراعية من محافظتى الدقهلية وكفر الشيخ، ويستند المنشور الى حُجة يدّعون أنها تعود الى عام 1008 هجرية، أى ما يوافق عام 1600 ميلادية.
ويعود النزاع القائم بين أهالى المحافظات الثلاث ووزارة الأوقاف بشأن «وقف المنان» الى أكثر من ثلاثين عامًا، وهو ما يطرح تساؤلًا مشروعًا: لماذا لم تظهر هذه الحُجة إلا فى عام 2026، إذا كانت الوزارة تمتلك بالفعل مستندًا لوقف تُقدَّر مساحته بنحو 441 ألف فدان، بما يمثل نحو 7% من مساحة مصر؟
وكانت الدولة قد حسمت أزمة «وقف المنان» عام 2001، حين كلّف مجلس الوزراء مصلحة الخبراء بتشكيل لجنة فنية متخصصة، قامت بدراسة أعيان النزاع، والحُجة المطعون فيها، وأساس ملكية الواقف المزعوم، ووثائق دار المحفوظات ودار الكتب والمحاكم وهيئة المساحة، فضلًا عن تطور الملكية العقارية فى مصر منذ الفتح الإسلامى وحتى عام 2000، وأعمال فك الزمام عام 1906، وأعمال المساحة الحديثة عام 1932، وجاء التقرير حاسمًا لصالح المحافظات والمواطنين.
وفى اليوم التالى لصدور المنشور الفنى، تقدمت وزارة الأوقاف بهذه الحُجة الى محكمة الأمور المستعجلة بدمياط، وصدر حكم بصفة مستعجلة بوقف المزاد العلنى الخاص بعدد 57 وحدة سكنية بمحافظة دمياط، وكان جهاز تنمية مدينة دمياط الجديدة، التابع لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة بوزارة الإسكان، بصدد إجراء القرعة العلنية لتوزيعها على المواطنين، قبل أن يتم تأجيلها الى أجل غير مسمى.
وترتب على ذلك وقف نحو 50 ألف طلب تصالح على مخالفات البناء فى الشهر العقارى بمدن دمياط، ووقف إجراءات تقنين وضع اليد بموجب القانون رقم 164 لسنة 2025 الصادر عن مجلس النواب، فضلًا عن شلل شبه كامل داخل مكاتب الشهر العقارى، حيث توقفت أعمال التوثيق والإيجارات والتراخيص وتوصيل المرافق للوحدات السكنية الجديدة.
كما توقفت مشروعات كبرى، من بينها مشروع تطوير لسان رأس البر، الذى تُقدَّر استثماراته بنحو نصف مليار جنيه، ومشروع كورنيش السنانية، الذى أنفقت عليه وزارة التنمية المحلية نحو 250 مليون جنيه، الى جانب تجميد 173 فدانًا على الطريق الساحلى الدولى أمام الاستثمار، ما تسبب فى شلل سوق العقارات بالكامل داخل المحافظات الثلاث، وتوقف حركة البيع والشراء والتسجيل.
ويمثل هذا المنشور اعتداءً صارخًا على حقوق الملكية والانتفاع والاستئجار الخاصة بالأفراد، المكفولة دستوريًا، كما يُعد تعطيلًا لأحكام القانونين رقمى 164 و168 لسنة 2025 الخاصين بالتصالح فى مخالفات البناء وتقنين وضع اليد، واللذين أقرهما مجلس النواب، فضلًا عن كونه إهدارًا لحجية الأحكام القضائية والتقارير الرسمية للدولة، وتهديدًا حقيقيًا للسلم الأهلى والأمن الاجتماعى فى المحافظات الثلاث.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
