استمعتُ إلى لقاءٍ مع مالك دار نشر عبر إحدى منصات البث المباشر الإخبارية خلال الأيام الأخيرة، تحدث فيه عن إقصاء الدار من المشاركة فى معرض القاهرة الدولي للكتاب، دورة يناير 2026، للعام الثانى على التوالى، دون إبداء أسباب معلنة وواضحة من الهيئة المصرية العامة للكتاب، التابعة لوزارة الثقافة المصرية، واللافت أن هذه الدار فاز أحد كًتابها بجائزة الدولة التشجيعية فى مجال العلوم الاجتماعية، بمعرض الشارقة الدولي للكتاب عام 2025 عن كتاب "سعد زغلول فى مرآة جرامشى".
والمعروف أن هيئة الكتاب لها موقع ويب، تدخل من خلاله كل دار نشر للتسجيل للمشاركة فى فعاليات معرض الكتاب، ولكل دار نشر حساب عبر تلك المنصة الرسمية، يقول الرجل: للعام الثاني ندخل للتسجيل فنجد الحساب مغلقًا، ولا توجد طريقة أخرى للتسجيل إلا عبر هذا الموقع.
ومع انتهاء فترة التسجيل، اتفق اتحاد الناشرين مع هيئة الكتاب على مدّ فترة التسجيل أسبوعًا، واشترطت الهيئة تقديم الطلبات مكتوبة، وبالفعل قدمت بعض دور النشر الممنوعة من المشاركة طلبًا إلى إدارة معرض الكتاب، لكنهم لم يتلقوا ردًا، لا على غلق الحسابات ولا على الطلبات المكتوبة المقدمة لإدارة المعرض.
واستمرارًا لسياسة المنع غير المعروف أسبابها، لم تُدعَ هذه الدور إلى قرعة اختيار دور النشر فى مقر اتحاد الناشرين، لتحديد أماكن الأجنحة بالمعرض، وهنا لم تعد أمامهم أى طريقة للمشاركة فى المعرض عن عمد.
وطلبت دور النشر وساطة اتحاد الناشرين لدى هيئة الكتاب لمعرفة سبب المنع، ولكن الوساطة لم تُفلح ولم تأتِ برد، وكأنهم يتعاملون مع جدارٍ مصمتٍ لا صدى له ولا صوت.
وبالبحث فى تاريخ دور النشر الممنوعة، تجد أن هناك سياسات تضييق منذ عام 2022، سببها أن تلك الدور تنشر أعمالًا قصصية وأدبية وروائية لكتّاب من تيارات مختلفة، وكتّاب مستقلين لا ينتمون إلى تيارات سياسية، من مختلف المجالات، وعلى رأسهم كتّاب النقد السياسى والاقتصادى.
وبعد هذه الممارسات غير المعروف أسبابها لدُور النشر، وانتهاج سياسة عدم الرد واللامبالاة من قبل الجهة المسؤولة والمنظمة للمعرض، يطرح السؤال نفسه: كيف يُمنع الإبداع من أن يُحلّق فى عقر داره، مصر مهد الحضارات والتدوين والكتابة، بلد حكّائي الرواية نجيب محفوظ، وعميد الأدب طه حسين، والعملاق عباس العقاد، وتوفيق الحكيم، وصلاح جاهين، ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وأنيس منصور، ومصطفى أمين، وأمير الشعراء أحمد شوقي، وشاعر النيل حافظ إبراهيم، وأحمد فؤاد نجم، وغيرهم آلاف؟.
كيف تحجب أى دولة الإبداع، وتجعله محظورًا على فئات دون غيرها؟ وقد قال الله تعالى فى أول التنزيل: " ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ (2) ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ (3) ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ (4) عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ (5)"، سورة العلق، وقال أمير الشعراء أحمد شوقى، فى أبياته الخالدة:" بالعلم والمال يبني الناس ملكهمُ لم يُبنَ ملكٌ على جهلٍ وإقلالِ"، فقدّم العلم، الذى هو رحم الإبداع، على المال فى بناء الإنسان والملك والدول والأنظمة ذات العقلية الصحيحة المعتدلة.
وفي تصريح مفاجئ، طلب رئيس اتحاد الناشرين المصريين عدم إقصاء أى دار نشر من المشاركة فى معرض الكتاب دون سبب ودون استثناء، مع توفير المزيد من الدعم لحرية الرأى والتعبير.
وناشد رئيس اتحاد الناشرين المصريين بأن تستمر القاهرة قاطرةً وروحَ الثقافة العربية، إلى جانب الحفاظ على حريات الرأى والتعبير وحقوق الملكية الفكرية، وخروج تشريع قانونى فى هذا الشأن.
الثقافة والإبداع وحرية التعبير من أهم عوامل القوة الناعمة لمصر، ومعرض الكتاب يحظى بمكانة عالمية خاصة، ومشاركة واسعة تجاوزت حدود الإقليم، والوسط الثقافى مليء وزاخر بمواهب تستحق من الجهات المنوطة أن تُطلق أمامها العنان والآفاق للإبداع، دون بتر الأجنحة تحت مسببات غير مبررة، وتضرّ بمختلف الأطراف فى النهاية.