الثلاثاء المقبل يقف ملايين من المسلمين بعرفة، بشعر أشعث ولباس واحد ليؤدوا فرض الحج، لا تميز بينهم الغني من الفقير، فالكل فقراء أمام الخالق البارئ، والكل يرفع صوته مناجيًا ربه: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك"، موقف رحمة وغفران ورضا، يباهي فيه المولى عز وجل ملائكته، لما رواه ابن خزيمة وابن حبان والبزار وأبو يعلى والبيهقي عن جابر رضي الله عنه، من قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينـزل الله تعالى إلى سماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي، جاؤوني شعثًا غبرًا ضاجِّين، جاؤوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ولم يروا عقابي، فلم يُرَ يومًا أكثر عتقًا من النار، من يوم عرفة".
والحج العبادة الوحيدة التي جمعت بين فضلي الجهاد بالجسد والمال، فالحاج يبذل من ماله نفقات سفره وسكنه، ويتعب جسده في مشقة ترحال طويل، وأداء مناسك تستمر أيامًا، فإذا كان الحاج اليوم يعاني مشقة السفر مع وجود مواصلات سريعة، فكيف بمن عاشوا عصور الإسلام الأولى، وكانوا يحجون سيرًا أو على ظهور الدواب، وبمياه شحيحة يحملونها يوم التروية في زمازم ضخمة متوجهين إلى منى لتلبي حاجاتهم.
صحيح أن تطور المواصلات في العصر الحديث، خفف من مشقة الحج، لكنه لم ينهها كليًا حتى وقت قريب، فقد قيض لي أن تكون حجتي الأولى عام 1998م – 1398ه، ولم يكن في مناطق المشاعر سوي عدة مستوصفات، وعدد قليل من حنفيات المياه العمومية، يقف أمامها الحجيج في طوابير طويلة لتحميل المياه في جراكن لزوم الوضوء والاغتسال، أما القادرون منهم فكانوا يشترون المياه المعدنية بضعف ثمنها، ولم تكن الكهرباء تصل الي معظم خيام حجاج الداخل، وبالتالي لا مراوح ولا تكييف، وكان الحجاج يقضون حاجتهم في أكشاك خشبية أسفلها حفرة، وبها سقالتان يجلس عليهما الحاج مقرفصًا ليقضي حاجته، ومعه زجاجة ماء يستنجى بها، وكانت طرقات مني تكتظ يوم النحر ببقايا الذبائح ملقاة علي قارعة الطريق، يحف عليها الذباب والناموس وشتي الحشرات والهوام، وهو ما دعاني بعدها بعام الي طرح قضية الاستفادة من لحوم الأضاحي، عبر المجلة التي كنت أعمل بها وتحمس د.فهد العرابي الحارثي رئيس التحرير للفكرة، وكلف 5 من محرري المجلة باستطلاع آراء الشارع والدولة والمشايخ والبنوك ومراكز البحوث، وكانت ثمرة طرح القضية أن استجابت الدولة وتبنت إرسال جزء من هدي وأضاحي الحجاج الي البلدان الاسلامية الفقيرة، محققة بذلك هدفين: مساعدة فقراء المسلمين، وتجنب الأوبئة والأمراض التي قد تنجم عن ترك الذبائح ملقاة في شوارع مني.
وفي حجتي الأخيرة قبل عقدين كان المشهد مختلفًا، إذ حدثت نقلة نوعية كبيرة في مستوي الخدمات، فالمستوصفات منتشرة في كل مكان، والكهرباء والتكييف في كل الخيام، ودورات مياه عمومية حديثة ونظيفة متوافرة حيثما يوجد الحجاج، بل ومبردات مياه في كل شارع لتوفير المياه المثلجة مجانًا، بل والأكثر تم وضع مراوح عملاقة ترش مع دوران ريشها قطرات مياه كالندي، ترطب الشوارع وتخفف من قيظ الحرارة.
وهذه النقلة النوعية لم تقتصر علي مناطق المشاعر فقط، لكنها شملت أيضًا تطوير وتوسعة الحرمين الشريفين، بحيث يستوعبان تزايد عدد الحجاج والمعتمرين، عبر أكثر من مشروع توسعة أنفق عليها مئات المليارات من الريالات فضلًا عن مئات المليارات دفعت كتعويضات نزع الملكية، فتضاعفت مساحة الحرمين 5 مرات، وصار المطاف مؤهلًا لإستقبال 5 أضعاف سعته القديمة من الطائفين، عبر بناء أدوار متكررة للطواف والسعي، وهو جهد يشكر للسلطات السعودية التي لم تبخل بشيء، لتطوير وتوسعة الحرمين ومناطق المشاعر المقدسة.
بقى أن أشير إلى أن الدولة المصرية ترسل مئات المحظوظين، ضمن بعثات الحج النوعية: الداخلية، الأوقاف، السياحة، التضامن، الصحة، وجميع هؤلاء المحظوظين يسافرون على نفقة الدولة، ويتقاضون بدل سفر أو مكافأة بالعملة الصعبة، ويؤدون مناسك الحج، دون أى عمل ذى قيمة يمارسونه، إذ حججت 10 مرات، 9 داخليًا من المملكة والأخيرة من مصر، وأشهد الله أنى لم استفد من بعثات الحج هذه ولا مرة، ولا علمت بمكانها خلال الحجات التسع التى سبقتها، باستثناء المرة التى سافرت فيها من مصر، إذ سألت عن مقر بعثة وزارة الداخلية كى استرد جواز سفرى وأعود للبلاد.
إن هذه البعثات لا فائدة منها، ولا تخدم الحجاج المصريين إلا نادرًا، والدليل أن أماكن إسكان حجاج مصر تأتى دائمًا بعيدة عن مناطق المشاعر سواء أكانت الحرمين أو منى، برغم أن اختيارها يتم من قبل لجان تسافر لهذا الغرض، ولست أدرى لماذا تسافر هذه اللجان ولدينا بجدة قسم قنصلى يتبع السفارة المصرية، يرأسه قنصل عام وبه عشرات الدبلوماسيين والإداريين، ويمكنه بالتأكيد تولى هذه المهمة دون تحمل الدولة تكلفة سفر أعضاء اللجان، وإقامتهم فى فنادق خمس نجوم مع بدلات بالعملة الصعبة، وأداء العمرة مجانًا، بل أثق أن موظفى القنصلية المصرية سيختارون الأماكن الأفضل لحجاج مصر، لأنهم بحكم إقامتهم بالمملكة أدرى بالأماكن المتاحة، وأسعارها أيضًا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض