أمل البرغوتى
يعلم الكيان المحتل أن خطر مصر لا يرتبط بالأنظمة والحكومات ومواقفها من إسرائيل، ولا تعنيه السياسات أو الممارسات فى شىء، فهم يدركون جيدا كيف يتفاهمون مع الأنظمة، إما بالقوة عبر الحروب منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، أو من خلال الحروب النفسية التى تحدث انكسارا مجتمعيا يُلهى الناس بشؤونهم الداخلية، خاصة بعد العدوان الثلاثى على مصر ونكسة 1967، وهى إحدى أدوات الضغط الصهيونى الغربى لإغراق المصريين داخل حدود أزماتهم، أو بالتفاهم عبر المعاهدات الرسمية والاتفاقيات، غير أن مخاوف إسرائيل تتمثل فى ما هو أعمق من ذلك بكثير، وهو غياب ضمانة الشعب المصرى.
فإسرائيل والغرب لا يضمنان هذا الشعب، الذي إن أفاق من وعكته الاقتصادية والمعيشية، فقد يجتاح إسرائيل يومًا ما لا محالة. وهنا يكمن الخوف الحقيقي الذي يهدد الوجود الإسرائيلي في المنطقة بأسرها. وقد أظهرت حرب إيران هذا العمق النفسي والإنساني الكامن في وجدان المصريين جليًا، من خلال تعاطفهم مع أي دولة، أيًّا كانت توجهاتها، في مواجهة هذا الكيان.
لذلك، تعمل السياسات الغربية على إغراق مصر وإضعافها اقتصاديا، سواء عبر ممارسات صندوق النقد والبنك الدوليين، ومحاصرتها فى دائرة القروض والديون، وهى السياسات التى انتهجتها حكومة مدبولى على مدار عشر سنوات، أو من خلال محاولات الوقيعة بين مصر ودول المنطقة، وبث الكراهية بين الشعوب، وتشويه صورة مصر إعلاميا لتبدو دولة معادية لإشقاءها وواهنة فى آن واحد.
كما تسعى هذه السياسات إلى أن يقضى المصريون حياتهم بين أمرين: الانشغال الكامل بالسعى لنيل الحقوق وتحصيل كفاف العيش، بحيث لا يجوع الشعب إلى حد الانهيار، فلا يلتهمه الجوع قبل أن يلتهم هذا الكيان، ولا يشبع إلى حد الاكتفاء، لأن الاكتفاء يعيد ترتيب الأولويات، ويجعل من مواجهة هذا الكيان هدفا مركزيا.
وستظل سياسة "نصف البطن" التى تمارس على المصريين صمّام أمان وجوع مُدار.. لأمن إسرائيل فالولايات المتحدة الأمريكية والكيان، ومعهما دول الغرب، وبعض المنبطحين فى المنطقة، يدركون أن نهاية هذا الكيان قد تكون على أيدى المصريين إذا ما انفرط عُقالِهم.
لذلك تحرص الحكومات الغربية، فى سياساتها مع الحكومات المصرية المتعاقبة، على استقرار مصر وأمنها، وتبذل كل ما فى وسعها عبر أجنداتها المختلفة، ليبقى الشعب منشغلًا بأزماته الداخلية، يلهث وراء لقمة العيش، ويكتفى بحد أدنى من الخدمات الأساسية.
وتعلم إسرائيل وغيرها أنه إذا ما توفرت للمصريين حياة كريمة، وتخففوا من أعبائهم، ونالوا قدرا من الرخاء فى مأكلهم وملبسهم وصحتهم وتعليمهم، فإن نحو 120 مليون نسمة قد يتحولون إلى قوة جارفة، قادرة على اجتياح الأراضى المحتلة فى أى لحظة إذا ما شعروا بتهديد لأمنهم القومى، بما يعنى نهاية حتمية لهذا الكيان.
كما تدرك إسرائيل أن التهديد الحقيقى من مصر لا يكمن فى الأنظمة أو المعاهدات واتفاقيات السلام التى يمكن تغييرها أو نقضها، وإنما فى وجدان الشعب المصرى ذاته، وفى نظرته المتجذرة إلى هذا الكيان بوصفه عدوًا، رغم اتفاقيات السلام المبرمة.
فهذه القناعة متأصلة فى الوعى الجمعى للمصريين، ومتوارثة عبر الأجيال، حيث يُنشأ الأبناء على مفاهيم الانتماء، والحلال والحرام، ومحامد الأخلاق، والعادات والتقاليد الراسخة، التى تُرسخ بدورها فكرة أن إسرائيل كيان معاد ومغتصب لأرض عربية.
ومن هنا، أصبحت كراهية هذا الكيان تسرى فى العروق، حتى إنك قد تصادف فى شوارع الحارات المصرية، فى أى محافظة ودون أى أحداث، أطفالًا لم يبلغوا الحُلم بعد، يرددون شعارات تندد بإسرائيل ووجودها، دون وعى كامل بمعانى ما يقولون.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
