الكرسى فتنة كل زمن وسلطة، فإذا وصل إليه الصالح أحدث فراقا بينه وبين الله، ويتجّلى ذلك فى أغلب الحقب التاريخية وعبر التحولات الممتدة على مر السنين، فهو مفسدةُ وهلاكُ، تُنتهك به الشرائع، وتُسفك الدماء ويُحلّ الحرام، ويُخلط الحابل بالنابل، والحقُّ بالباطل، وتُبيَّض السمعة، ويُوأد الحريات والشرف، تمحى أخطاء الماضى.
الكرسى يُحول من بيده السلطة من خادمٍ للناس إلى غاية تُبرر أي تصرف، وأي موقف، وأي قرار، وأي سياسة، وأي توجّه.
فقد ساق الكرسى فرعون إلى الكِبر وجنون العظمة، حتى قال:﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، فادّعى الربوبية والألوهية فى أبلغ صورة للجرأة على الله تعالى فى التاريخ الإنساني.
كانت هذه الغطرسة والزهو والاستخفاف ثمرة الملك والعرش: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
وامتدت فتنة الكرسى عبر عهود التاريخ منذ أن خلق الله بنى آدم وأنزلهم إلى الأرض بعد أن توعدهم الشيطان حتى يومنا هذا.
ففى العصر الأموى، شكّل قرار معاوية بن أبى سفيان توريث الحكم لابنه يزيد ذروة فتنة الكرسى، فانقسم الناس بين مؤيّد ومعارض، ورفض الحسين بن عليّ بن أبى طالب التوريث، لا طمعًا فى الحكم، بل رفضا للتوريث ولأن الكرسى فقد شرعيته، هنا دُفعت الدماء ثمنًا لحماية الكرسى، وانتهت الفتنة بمذبحة كربلاء.
ونال العباسيون كرسيَّ الخلافة تحت شعار «الرضا من آل البيت»، فى ممارسةٍ واضحة للتملّق السياسى، ذلك التملّق الذى ظلّ لعبةَ الذكاء السياسى الرابحة عبر العصور، مع إخفاء مواضع الضعف عمدًا، وإضافة روح من الغموض السياسى، الذى يُمكن من الوصول إلى الكرسى، لكنه يورث القلق والخوف.
وانتهج الخلفاء العباسيون الأوائل، مثل أبى العباس وأبى جعفر المنصور، سياسة قتل الخصوم ومطاردة الأمويين، وسحق أي منافس، سواء من رجال الدولة أو من العامة ممّن يتمتعون بشعبية بين الناس، ثم جاءت فتنة توريث الكرسى، فتصارع الأبناء، وكان ذلك أكبر جرح فى جسد الدولة العباسية، تحوّل الصراع بين الإخوة إلى ساحة حرب، ومع مرور الوقت غدا الخليفة بلا سلطة حقيقية، مجرد رمز دينى بلا قرار سياسى، وسقطت الدولة حين تقدم القمع على الشرعية، والتوريث على الكفاءة، والكرسى على الدولة.
وفى الأندلس، ضاعت الأرض والهوية والدين والكرسى معًا، بعدما قدَّم ملوك الطوائف كراسيهم الصغيرة على مصلحة الدولة، وتحالف كلُّ ملك مع عدو اخيه، وكانت الرسالة واضحة: إن الحفاظ على منصب لشخص بعينه قد يُضيع وطنًا، أو دولة، أو كيانًا، أو مؤسسة، وربما أسرة.
وفي الدولة العثمانية كان المشهد أكثر دموية وأشدّ قهرا؛ إذ شُرّع قتل الإخوة حماية للكرسى، بقانون رسمى معلن، تحت ذريعة منع الفتنة وحماية الدولة، لترسيخ فكرة أن الكرسى أغلى من الدم، فصار الدم عنفًا وقائيًا، أو قتلًا وقائيًا، من أجل الكرسى.
وفى القرن التاسع عشر، أصبح الاحتلال بوابة الحكم والجلوس على الكرسى، فتواطأ حكّام مع المستعمر للبقاء فى السلطة، وفقد أغلبهم شرعيتهم فى الداخل، فسقطوا كما سقط من قبلهم.
أما في عصر الجمهوريات الجديدة ما بعد الاستقلال، فقد وُلدت الجمهوريات على وعود التحرّر والتقدّم والديمقراطية، ثم تصدّر المشهد رؤساء تحوّلوا إلى زعماء أبديين، سُنت الدساتير، وعُدلت على المقاس، وأُنشئ إعلام خاص يروج للسلطة وإنجازاتها وأجنداتها وأيديولوجياتها، وكُمّمت الأفواه، وتوسعت السجون، وكُسرت الأقلام باسم الاستقرار، طال عمر الكرسى، فهرِم الوطن دون أن يدرى الحاكم.