هل يحق للرسول أن يُشرع؟
أعلم مسبقا أنك قرآني، فلذلك قبل أن أشرع في تفنيد آرائك يا أستاذ عادل أود أن نتفق معا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم له حق إنشاء تشريع وأحكام، لأن القرآن أصل، والسنة بيان، والبيان نوع من أنواع التشريع كونه يحدد مراد الله الإجمالي.
وسأسوق لك ما يثبت ذلك من القرآن الكريم:
أولا: آيات قرن الله تعالى فيها طاعة الرسول بطاعته سبحانه:
يوجد في القرآن الكريم أكثر من ثلاثين موضعا قرن الله تعالى طاعة رسوله مع طاعته سبحانه وسأسوق موضعين فقط على سبيل المثال:
- سورة المائدة: الآية:92 { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} وسورة آل عمران: الآية: 132: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
نلاحظ هنا تكرار فعل الأمر (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) في الآية الأولى، وفي الآية الثانية {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} والمعروف أن إعادة الفعل (وأطيعوا الرسول) يفيد استقلال الرسول بالطاعة وسنّ الأحكام وتشريعها، وإن لم تكن مذكورة في القرآن بخصوصها، بينما الجمع بلا تكرار يؤكد تلازم التشريعين.
ثانيا: آيات التنصيص الصريح على صلاحية التحليل والتحريم للرسول:
قال تعالى في سورة الأعراف: الآية: 157 { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}
فلقد أسنَدَ الله تعالى فعلَي يُحِلُّ ويُحَرِّمُ إلى ضمير الرسول مباشرة.
قال تعالى في سورة التوبة: الآية: 29{َ قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} عطف الله تحريم الرسول على تحريمه بواو العطف، مما يعني أن ما حرّمه الرسول في سنته له نفس الحجية الإلزامية لما حرّمه الله في كتابه.
ثالثا: آيات الإلزام العام بأخذ ما جاء به وترك ما نهى عنه:
قال تعالى في سورة الحشر الآية7 { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}
جاءت الصيغة هنا بما الشرطية العمومية، لتشمل كل ما يصدر عن الرسول من تشريع، وأمر، ونهي، وقضاء، وليس فقط في سياق الغنائم كما يحاول البعض قصرها، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
رابعا: آيات البيان النبوي المكمّل والمُفصّل للقرآن:
قال تعالى في سورة النحل: الآية 44 {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}
جعل الله وظيفة الرسول البيان (لتبين). والبيان القرآني جاء مجملا في الصلاة، الزكاة، الحج، والمعاملات، فجاء التشريع النبوي الفعلي والقولي ليفصل هذا المجمل، فمن ينكر تشريع الرسول، ينكر بالتبيين كيفية الصلاة ومقادير الزكاة.
خامسا: آيات نزع الإيمان عمن لم يرضَ بحكم الرسول وتشريعه:
قال تعالى في سورة النساء: الآية 65 { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
أقسم الله بذاته العلية على نفي الإيمان عمن لا يرتضي حكم الرسول وتشريعه وقضاءه، وجعل التسليم المطلق لحكمه علامة الإيمان الصادق.
سادسا: الأمر بالاقتداء بالرسول:
قال تعالى في سورة الأحزاب: الآية 21{ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}
هذه دعوة من الله تعالى بأن نقتدي بالرسول في كل شيء سواء فعله أو قوله أو صمته وكل ما يتعلق به حتى في حياته الخاصة؛ وكيف يتأتى الاقتداء دون أن نعلمه، وكيف نعلمه إن لم ينقل لنا، وهل ينقل لنا إلا عن طريق الصحابة ثم التابعين إلى وقتنا هذا، مما يعني الرجوع إلى السنة الصحيحة الثابتة سندا عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
والخلاصة:
إن محاولة حصر التشريع في القرآن وحده والالتفاف على مكانة الرسول التشريعية، هي في الحقيقة هدم للقرآن نفسه؛ لأن القرآن هو الذي أمر بالتحكيم، وهو الذي أثبت للرسول سلطة التحليل والتحريم، وهو الذي ربط طاعة الله بطاعة الرسول في أكثر من ثلاثين موضعا، والتشريع النبوي ليس تشريعا بشريا مبنيا على الهوى، بل هو تشريع مأذون به من الله ومسنود بالوحي؛ لقوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ}.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض