رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

لمستُ فى الأسابيع الأخيرة ظاهرةً بدأت تتشكّل فى صمت داخل أحياء القاهرة الكبرى، فتحولت الطرق إلى فضاءات سكنية قسرية لأسر دفعتها التحولات الاقتصادية إلى العراء، وتتنامى دون ضجيج، فبعد إقرار قانون الإيجار القديم فى صياغته النهائية، اتسعت دائرة الضغط على الفئات الهشة، وعمد بعض الملاك إلى رفع القيمة الإيجارية لغرف «بير السلم» و«البدرومات»، فكان الاخلاء القسرى نتيجة طبيعية، وأصبح الرصيف مصيرا.

أضف إلى ذلك، تجرأ بعض مُلاك الإيجار القديم على المستأجرين، فتحول الخلاف القانونى إلى صدام اجتماعى، فبدأت المشاحنات مبكرًا، قبل انتهاء مهلة السنوات السبع التى حدّدتها الدولة، رغم ما أُقر من تعديلات على القيمة الإيجارية.
وبرز ذلك فى وقائع اعتداءات موثقة، وبالنظر فى تعاملات الناس تجد ما يشبه الثأر بين المالك والمستأجر، الأول يسعى للتخلّص منه، والثانى يضمر له الحقد، وقد ظهر ذلك جليا في واقعة مسن السويس، حين اعتدى مالك عقار عليه أمام أفراد أسرته لإجباره على إخلاء الشقة، ووقائع كثيرة لم تفضحها الكاميرات، ولم تنل نصيبها من الضوء والترند والتعاطف العام.
وعلى طريقة فيلم «كراكون في الشارع»، قبالة نفق المريوطية فى شارع اللبينى، حيث أعادت أسرة مصرية إنتاج مشهد طالما ارتبط بالخيال السينمائى، حيث نصبت أسرة مصرية "أثاث منزلها" خلف حائط ملهى للأطفال، فى مواجهة مباشرة مع الطريق العام، ومراتب أسرّة متناثرة على الأرض، وأدوات المطبخ معلقة على نفس الحائط، الذى دقت فيه مسامير لتعليق المستلزمات.

وفى قلب هذا المشهد، تجلس امرأة فى عقدها الرابع أمام موقد نار "بدائى" يتلوّى لهيبه فى الهواء، تعُد طعام الأطفال، ارتسم على ملامحها إنهاك صامت لا يحتاج إلى تفسير، وأطفال يتحركون فى محيط لا يدركون قسوته بعد، ولا يعبأون بما جرت به المقادير، فيما تكدست بقية المتعلقات فى بؤجٍ واحدة تلو الأخرى، دون أى خصوصية.

اقتربتُ منها أستطلع الأمر فى خوف وكسرة، وجه رث مكفهر، يلعن الحياة مع كل نفس، وجسد واهن نحيل، وصمت أثقل من الشكوى، عجز عقلى عن استيعاب المشهد، وربط لسانى، وبات صوتى مبحوحًا، نظرت إليّ قائلة: فى حاجة؟، أبديتُ لها أننى تائهة وأسأل عن عنوان ما، فأجابتنى بأسف عن عدم معرفتها بالمكان، فهي حديثة العهد بهذا الرصيف، ولا تعرف سوى السوبر ماركت المجاور.
فدفعنى الفضول لمعرفة سبب وجودهم على الرصيف؟، فقالت: "عجزنا عن سداد الايجار لعدة أشهر، وحدثت سرقة فى العمارة، واتهموا أطفالى بالسرقة، ويعلم الله أننا لم نسرق، وصاحب العمارة شردنا وحول بير السلم لسوبر ماركت".
تلقيت حديثها كجرعة دواء مُرّة للموت، تركتها خلفى وسرت بمحاذاة الملهى قاصدة موقف سيارات سقارة، بينما يطرح عقلى عشرات الأسئلة حول مصير ملايين الأسر التى ستعجز تدريجيًا عن سداد الإيجار، فى ظل مواصلة السياسات الاقتصادية دون أخذ هذه الفئات فى الاعتبار، وماذا سيفعل مُلّاك العقارات القديمة بالمستأجرين، بعدما بدأ بعضهم فى الاستقواء على الناس بمجرد إقرار القانون، واقتراب انتهاء مهلة السنوات السبع التى حددتها الدولة؟.
ما يحدث ليست تجاوزات فردية، بل حصيلة فراغ فى منظومة الحماية الاجتماعية، مع تحولات تشريعية لم تُراع هشاشة الفئات الأضعف، ولا يمكن قراءته بوصفة حالة فردية، لكنه مؤشر لخلل بنيوى يتسع نطاقه. 
الخطير فى الأمر أنى رصدت هذه الحالات فى مناطق عدة، من الهرم، والدقى، والبحوث، وبين السرايات، وصولا إلى تشكُل تجمعات بشرية على ضفاف النيل فى «فلوكات»، حيث باتت تأوى أُسرًا كاملة تمارس الحياة فى العراء بلا ساتر ولا حد أدنى من الكرامة الانسانية.
بدأت الظاهرة تتشكّل، وأصبح الشارع منزلًا مألوفًا لتلك الفئات، يعيشون يومهم بلا اكتراث لما يدور حولهم، ودون التفات لنظرات المارة المستنكرة، رغم ما يحمله المشهد من قهر بيّن.
تلك المشاهد لم أرها إلا فى سرديات السينما قديمًا، وحتى السينما تسترت على هذه الفئات، وكأن الزمن عاد بنا إلى سوق النخاسة، وصار الفقر يُصرّ على فضح معاناة الناس علنًا، وواقع يطرح تساؤلات ملحة حول جدوى السياسات الاجتماعية والاقتصادية، وحدود العدالة فى توزيع أعباء الاصلاح. 
وخطورة هذه الظاهرة لا تكمن فى مظهرها الصادم فحسب، بل فى تداعياتها البعيدة وما تحمله من احتمالات تفكك اجتماعى، وتنامى مشاعر السخط لدى البسطاء من الشعب، إضافة إلى انتاج أجيال نشأت خارج مظلة الحماية والاحتواء، واذا استمر تجاهل هذه الفئات، فلن يبقى الرصيف مجرد مأوى مؤقت، بل ساحة غضب مفتوحة على احتمالات لا يمكن ضبطها. 
هذه الظاهرة تحمل رسائل واضحة إلى من يهمه الأمر، وتنذر بكارثة لا يُحمد عقباها، تحمل مزيدًا من الفوضى، والخارجين على القانون، والحاقدين على دولتهم.
والأهم فى ذلك أن الدستور يكفل لكل فئات المجتمع المصرى حق السكن الملائم والآمن والتعليم والصحة، مُلزمًا الدولة بوضع خطط وطنية للإسكان، وتوفير البنية الأساسية، ومواجهة العشوائيات، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
وعلينا أن ننتبه إلى هذه الظاهرة، وألّا نشارك فى صناعة أعداء من أبناء الوطن، والحدّ من سياسات أحدثت تفاوتًا بين طبقات المجتمع، وأسقطت فئاتٍ كاملة من تحت خط الفقر إلى قاعه.