ألقت حرب إيران بظلالها على مختلف القطاعات الاقتصادية المرتبطة بحياة المواطن المصرىن من تحريك اسعار الوقود إلى ارتفاع أسعار الخضروات والمنتجات والسلع والخدمات، وكان سوق الدواء من أكثرها تأثرًا، باعتباره قطاعًا حيويًا يتداخل مع الأمن الصحى والاجتماعى، ويأتى ذلك فى وقت يشهد فيه السوق نموًا ملحوظًا فى القيمة، يقابله اضطراب واضح فى توافر المواد الخام فى ظل الظروف الراهنة.
فوفقًا لتقارير طبية، أنفق المصريون نحو 50 مليار جنيه على الدواء خلال شهرى يناير وفبراير من العام الجارى، مقارنة بـ42.7 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من العام الماضى، بزيادة تقدر بنحو 17%، إلا أن هذا النمو لا يعكس بالضرورة تحسنا فى السوق، خاصة مع تراجع حجم المبيعات بنسبة 20% خلال شهر رمضان نتيجة تغير أنماط الاستهلاك.
ومع تسجيل مبيعات شهر مارس ما بين 30 و35 مليار جنيه، يرتفع إجمالى حجم السوق إلى أكثر من 80 مليار جنيه خلال الربع الأول فقط، وسط توقعات بأن يصل إلى 330 مليار جنيه بنهاية عام 2026، مقابل 290 مليار جنيه فى 2025، مدفوعا بنمو يتجاوز 15%، إلى جانب توقعات بزيادة صادرات الصناعات الطبية إلى 1.5 مليار دولار، خاصة نحو الأسواق الأفريقية والعربية، مع تنامى قطاع المكملات الغذائية.
ورغم أن سوق الدواء المصري يُعد الأكبر فى الشرق الأوسط، بحجم استثمارات يتراوح ما بين 300 إلى 438 مليار جنيه سنويا، وتداول نحو 4 مليارات عبوة دواء سنويا، وهيمنة الصيدليات الخاصة على ما بين 60% إلى 70% من السوق، فإن هذا الحجم الكبير لم يمنع تكرار أزمات نقص الأدوية وتفاوت الأسعار من منطقة لأخرى بحسب الشركات المنتجة، التى باتت سمة شبه دائمة.
وتتداخل العوامل الداخلية مع المتغيرات العالمية فى تعقيد المشهد، إذ أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران إلى ضغوط إضافية على الصناعة، تمثلت فى ارتفاع أسعار النفط، وزيادة تكلفة الشحن والنقل، إلى جانب صعود سعر الدولار الذى اقترب من 53 جنيهًا، وهو ما انعكس مباشرة على تكلفة استيراد المواد الخام والمواد الفعالة ومستلزمات التعبئة والتغليف.
ولمح الدكتور على عوف، رئيس شعبة الأدوية بالاتحاد العام للغرف التجارية، فى تصريح له مع الــCNN بالعربية ، أنه فى حال استمرت الحرب لأكثر من ثلاثة أشهر قادمة، سيكون من الضرورى إعادة النظر فى تسعير الأدوية، رغم امتلاك الشركات مخزونا من المواد الخام يكفى نحو 6 أشهر، إضافة إلى مخزون من الأدوية تامة الصنع يغطى 4 أشهر، فإن هذه المؤشرات لا تلغى المخاوف من ضغوط مستقبلية على السوق.
وتشير التقديرات إلى وجود نواقص تتراوح بين 200 و250 صنفا دوائيا، مع تغير مستمر فى قائمة النواقص، نتيجة عوامل متعددة، مثل نقص الخامات أو زيادة الطلب أو تعثر الاستيراد، إلا أن الأزمات تكشف بشكل خاص اختفاء أدوية حيوية، مثل أدوية القلب والضغط والسكر والأورام والتخدير، ما يفتح الباب لظهور سوق سوداء للأدوية المنقذة للحياة.
ويبقى العامل الأهم فى الأزمة هو الدولار، إذ يعتمد قطاع الدواء بشكل كبير على الاستيراد، سواء للمواد الخام أو الأدوية تامة الصنع، ومع تراجع قيمة الجنيه، ترتفع تكلفة الإنتاج، ما يدفع بعض الشركات إلى تقليص الإنتاج أو وقف تصنيع بعض الأصناف غير المربحة، إلى جانب تراجع الاستيراد.
كما يبرز نظام التسعير الجبرى كأحد التحديات الرئيسية، حيث تظل أسعار الأدوية ثابتة لفترات طويلة رغم ارتفاع التكاليف، وهو ما دفع الحكومة مؤخرا إلى رفع أسعار بعض الأدوية بنسبة تتراوح بين 20% و25%، والمكملات الغذائية حتى 50%، وتزداد الأزمة تعقيدا مع تأخر مستحقات الشركات، ونقص السيولة، ومشكلات التوزيع، فضلًا عن تأثير قرارات تنظيم السوق، مثل تتبع الدواء، التى تهدد مئات شركات التوزيع، فى حين طلبت بعض شركات الدواء منذ عدة أشهر رفع أسعار أكثر من 500 صنف دوائى من بينها 10% من الأدوية المنقذة للحياة.
ولا يمكن إغفال ممارسات التخزين والاحتكار التى يلجأ إليها بعض الموزعين والصيدليات، انتظارا لرفع الأسعار أو تحقيق مكاسب أكبر فى السوق السوداء، وهو ما يزيد من حدة الأزمة، خاصة مع ارتفاع الطلب.
ومن المفارقات أن مصر تُنتج نحو 91% من احتياجاتها الدوائية محليا، لكن اعتمادها على استيراد المواد الخام يجعل هذا الاكتفاء ظاهريا، خاصة فى ظل استيراد الأدوية المتقدمة، مثل أدوية الأورام، بشكل كامل.
وقد انعكست هذه العوامل مجتمعة على المواطن بشكل مباشر، حيث يعانى المرضى من أصحاب الأمراض المزمنة، من صعوبة الحصول على أدويتهم، أو اضطرارهم لشرائها بأسعار مضاعفة من السوق السوداء، أو اللجوء إلى بدائل قد تكون أقل كفاءة.
وتشير التوقعات إلى استمرار الأزمة فى ظل ضعف العملة، والاعتماد الكبير على الاستيراد، واستمرار الضغوط العالمية على سلاسل الإمداد، إلى جانب سياسات التسعير الحالية، بل إن بعض التقديرات تشير إلى إمكانية ارتفاع أسعار بعض الأدوية بنسبة قد تصل إلى 42% خلال الفترة المقبلة.
وفى ظل هذه المعطيات، تبرز إشكالية أخرى تتعلق بتفضيل بعض الشركات التصدير على حساب السوق المحلى، لتحقيق عائد دولارى أعلى، ما يجعل الأدوية منخفضة السعر، خاصة القديمة وأدوية الأمراض المزمنة الأكثر عرضة للاختفاء لضعف ربحيتها.
كما تتفاقم الأزمة بسبب عدم عدالة التوزيع الجغرافى، إذ تحظى المدن الكبرى بنصيب أكبر وأسرع من الأدوية مقارنة بالمناطق الريفية والشعبية، دون اعتراف رسمى بهذه الفجوة.
وفى النهاية، يبقى المواطن المصرى هو الحلقة الأضعف، يتحمل وحده كلفة هذه التشابكات الاقتصادية والسياسية، فى سوق دواء باتت أزماته أكثر تعقيدا من أن تختزل فى سبب واحد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
