رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

مهندس حسام محرم 

لطالما كان ميزان القوى العسكري يُقاس بحجم الأساطيل، وعدد الطائرات النفاثة، والميزانيات المليارية التي تضخها القوى العظمى في ترساناتها. لكن التاريخ العسكري يشهد دائماً على ظهور ما يُعرف بـ "أسلحة الفقراء"؛ تلك الأدوات التي تكسر احتكار القوة وتسمح للأطراف (الأقل من ناحية الإمكانيات والقدرات) بأن تمتلك القدرة علي ردع الخصوم بوسائل بسيطة لم تكن تخطر على بال أحد.

وفي العقود السابقة، كانت الأسلحة الكيماوية والبيولوجية تُوصف بأنها "قنبلة الفقراء" الاي توازن بها القنابل الذرية التي قد لا تمتلك القدرة علي إنتاجها، حيث كانت الأسلحة البيولوجية والكيميائية وسائل رخيصة وسهلة التصنيع وقادرة على إيقاع خسائر بشرية هائلة للردع لإجبار الخصم المتفوق تكنولوجياً على التراجع. ومع ذلك، واجهت تلك الأسلحة معضلات أخلاقية وقانونية، فضلاً عن صعوبة التحكم في آثارها التي قد ترتد على صاحبها.


واليوم، نشهد ولادة النسخة الحديثة والأكثر فتكاً وذكاءً من هذا المفهوم : الطائرات المسيرة (Drones)؛ فقد انتقل الردع من "الغازات السامة" إلى "الأجنحة الرقمية"، حيث لم يعد الضعيف بحاجة لمصانع معقدة، بل يكفيه ورشة تجميع صغيرة واتصال بالإنترنت. لقد أحدثت المسيرات ثورة في مفهوم "الحرب غير المتماثلة" من خلال ثلاثة محاور أساسية؛ أولها تقليل كلفة الدمار، فبينما تتطلب الدبابة التي تبلغ قيمتها 10 ملايين دولار صاروخاً باهظ التكلفة لتدميرها، فإنه علي العكس تماما يمكن لمسيرة انتحارية رخيصة بألفي دولار .... أن تُخرجها من الخدمة، مما يحول الحرب إلى استنزاف مالي لا يطيقه الطرف القوي. وثانيها الدقة الجراحية، فعلى عكس عشوائية السلاح الكيماوي، تختار المسيرة "أهدافاً استراتيجية كالمنشٱت الهامة والمرافق الحيوية ومنصات إطلاق الصواريخ والرادارات وغرف إدارة العمليات المركزية" لتصيبها بدقة متناهية فتسبب ارتباك في الجيوش النظامية قد يصل الي حد الهزيمة السريعة بأقل تكلفة. أما المحور الثالث فهو الردع النفسي والمادي، حيث تلغي المسيرات مفهوم "المنطقة الآمنة" وتجعل قوات الخصم أو العدو المعتدي في حالة استنفار دائم مما يؤدي إلي استنزافه ماديا ونفسيا مما يردعه عن الإستمرار في العدوان.

بناءً على هذا التحليل، أصبح الاعتماد على المسيرات استراتيجية بقاء وضرورة أمن قومي تحتم التوسع الفوري في الإنتاج والتخزين وفق نهج ثلاثي الأبعاد علي النحو التالي :

أولاً، التوطين لا الاستيراد : إن شراء المسيرات من الخارج يجعل القرار العسكري رهينة لمزاج الموردين؛ لذا يجب الاستثمار في العقول المحلية لتصميم وإنتاج هذه المسيرات محليا وتطويرها بصفة دائمة.

ثانياً، الإنتاج الكمي والمخزون الإستراتيحي : تكمن قوة هذا السلاح في "الأسراب"، فامتلاك مخزون من مئات آلاف من المسيرات يضمن "إشباع" الدفاعات المعادية وتجاوزها، ويرسل رسالة بأن تكلفة العدوان ستكون مستمرة وباهظة. مع ملاحظة ضرورة تخزينها في مئات المواقع أو في متنقلة حتي لا يكون هذا المخزون عرضة للقصف.

ثالثاً، التنوع الوظيفي : ويتحقق ذلك عبر تنويع الترسانة من ناحية الوظائف والتي تشمل مئات أو آلاف من مسيرات الاستطلاع، والمسيرات التكتيكية، بالإضافة إلي ملايين من المسيرات الانتحارية بما يكفي الإستمرار في أي مواجهة عسكرية قادمة لمصر لسنوات  وغيرها، مما يخلق ردع استراتيجي عميق بأقل تكلفة ممكنة وهو ما لا يمكن تحقيقه حتي بأسلحة الدمار الشامل التي يخضع استخدمها لمحاذير شديدة.


إن "أسلحة الفقراء" في ثوبها الرقمي قد أعادت صياغة تعريف القوة؛ فلم يعد الحق لمن يملك المال الأكثر، بل لمن يملك العقل الأكثر إبداعا والأكثر قدرة على الابتكار بأقل التكاليف. لذلك فٱنه يتعين علي مصر التوسع في إنتاج وتطوير هذا السلاح (وتخزينه بكميات هائلة تكفي عدة سنوات من الحرب) مع امتلاك خطوط انتاج كافية لتعويض ما يستهلك منها أثناء الحرب للاحتفاظ بإحتياطي إستراتيجي لا ينضب في أسوأ الفروض بأعلي معدل لإستهلاكها، وهذا هو الضمانة لتحقيق توازن عسكري نسبي، يمنع القوي من الاستقواء بآلته التقليدية، ويحفظ للدول استقلالها وهيبتها في وجه أي عدوان مستقبلي.

 مهندس حسام محرم 
سياسي ونقابي مصري والمستشار الأسبق لوزير البيئة