تأتي اللحظات الفاصلة في تاريخ الأمم لتعيد رسم ملامح الصورة الذهنية التي استقرت في الوجدان الشعبي لعقود، ولعل ما نعيشه اليوم من اضطراب استراتيجي وجيوسياسي فوق رمال المنطقة العربية المشتعلة، قد فتح الباب أمام سيل من التساؤلات القاسية، وربما الصادمة في حدتها. ففي الوقت الذي تتعرض فيه سبع دول عربية لعمليات قصف وتهديدات وجودية متلاحقة، برزت أصوات من قلب الخليج العربي تعبر عن خيبة أمل لم تعد حبيسة الغرف المغلقة، بل خرجت إلى العلن لتمس جوهر العلاقة التاريخية بين "القائد" و"التابع"، أو بين "الأم" و"الأبناء".
جرح الانكفاء الاستراتيجي
في هذا السياق، استوقفني تعليق للكاتب الكويتي فؤاد الهاشم، الذي نُشر عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» (تويتر سابقاً)، حيث لم يكن مجرد تعقيب صحفي عابر، بل كان بمثابة "مبضع جراح" يغرس في جسد الدور المصري الإقليمي. يقول الهاشم في متن خبره الذي تناقلته منصات التواصل: "مصر التي كنا نعتقد أنها أم الدنيا اكتشفنا أنها كزوجة الأب ولا تريد حتى أن تواسي أبناءها".
هذه العبارة، برغم قسوتها الأدبية، تحمل في طياتها دلالات سياسية بالغة الخطورة؛ فهي تعكس انتقال العتب العربي من مربع "الحاجة إلى المساعدة" إلى مربع "التشكيك في الأهلية العاطفية والسياسية". حين تُوصف الدولة المركزية الكبرى بأنها "زوجة أب"، فإننا نتحدث عن غياب الحنان الاستراتيجي، وعن برود في رد الفعل يتجاوز حدود الحكمة السياسية ليصل إلى منطقة الانفصال الشعوري عن قضايا الجوار.
جدلية الجحود والرفض
لكن الإنصاف يقتضي منا ألا نقف عند حدود التشبيه دون سبر أغوار العلاقة من الطرف الآخر؛ فإذا كانت "زوجة الأب" تُلام على قسوتها أو صمتها، فهل سألنا أنفسنا يوماً عن سلوك هؤلاء "الأبناء"؟ إن القراءة الموضوعية للتاريخ القريب تخبرنا أن "الأبناء" في هذا البيت العربي المترنح، لم يكونوا يوماً في حالة امتنان لزوجة الأب، ولا هم استمعوا لنصائحها حين كانت تحذر من مغبة الانزلاق نحو الهاوية.
لقد عانت القاهرة طويلاً من مراهقة سياسية مارستها بعض العواصم، حيث كان الرفض المسبق للنصيحة المصرية هو "المانيفستو" السائد، بدعوى الاستقلالية أو امتلاك بدائل القوة. فكيف نلوم "الزوجة" على صمتها اليوم، بينما كان الأبناء أنفسهم هم من وضعوا الحواجز النفسية والسياسية أمام دورها؟ إن السلوك الرافض للنصيحة، والتمرد غير المحسوب على الرؤية المركزية الكبرى، جعل من التدخل المصري أمراً محفوفاً بالمخاطر، بل وجعل من "المواساة" فعلاً قد يُفسر على أنه تدخل في الشؤون السيادية. فهل تلام هي على برود أصاب المشاعر، بعد أن قوبلت أياديها الممدودة بالصد لسنوات؟
مبادرات أُجهضت في المهد
إن الذاكرة السياسية لا تخون، وهي تسجل أن "زوجة الأب" - كما يحلو للبعض تسميتها - كانت أول من بادر بطرح رؤية أمنية جماعية. لقد نادى الرئيس السيسي بضرورة التوحد وتشكيل قوة عربية مشتركة، أو ما عُرف آنذاك بـ "الناتو العربي"، لحماية البيت من الداخل. لكن هذه الفكرة ما لبثت أن أُجهضت من قبل أطراف خليجية عدة، اعتبرتها نوعاً من "الوصاية" المصرية، وآثرت الاعتماد على مظلات أجنبية بدلاً من الدرع القومي.
وليس هذا فحسب، بل إن صوت "عمرو موسى"، الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، قد بُح وهو يطالب بضرورة التواصل الدائم مع شركاء الإقليم، وتحديداً تركيا وإيران، وضمهم في إطار تشاوري مع الجامعة لتجنب الصدامات المباشرة، إلا أن هذا التوجه قوبل برفض مباشر وحاسم من العاهل السعودي في ذلك الوقت. لقد قامت مصر بدورها، ومازالت، وسوف تواصل تقديم نصائحها طالما استمر الأبناء في الاستماع، ولو لبعضها، لخلق حالة من الحراك بدلاً من السكون والخنوع الذي يلف المنطقة.
إن الدروس المستفادة تخبرنا أن "الحياة ليست مالاً فقط"؛ فالمال قد يشتري السلاح والولاءات العابرة، لكنه أبداً لا يوفر "القلب" والحرص والوفاء في التعامل. مصر تدرك تماماً، ومنذ زمن بعيد، أن أمن هؤلاء الأبناء هو جزء أصيل من أمنها القومي، حتى وإن لم يعيشوا معها في ذات البيت، وحتى وإن أنكروا فضل نصيحتها.
قراءة في خارطة القصف والغياب
إن قصف سبع دول عربية في آن واحد، يضع "الثقل المصري" أمام اختبار العجز أو القدرة. فالدولة التي كانت تاريخياً هي المظلة التي يستظل بها الجميع، تبدو اليوم وكأنها اختارت "الانكفاء للداخل" كاستراتيجية بقاء، متجاهلة حقيقة أن أمن القاهرة يبدأ من أسوار دمشق وبغداد وصنعاء وطرابلس.
ثمة مفارقة هنا، فبينما كانت "أم الدنيا" في الأدبيات القومية هي الصدر الحنون والملاذ الأخير، يرى مراقبون مثل الهاشم أن هذا الدور تآكل لصالح حسابات ضيقة، جعلت من الشقيقة الكبرى طرفاً يكتفي بالمشاهدة أو بإصدار بيانات الإدانة "المعلبة" التي لا تسمن ولا تغني من جوع في موازين القوى العسكرية.
الخلاصة
توصيف الهاشم يعكس أزمة ثقة عميقة، لكنه يتجاهل مبادرات مصر (الناتو العربي) التي رفضها الأبناء بدعوى السيادة. إن مصر تدرك أن أمن الخليج من أمنها، والمال لا يشتري "قلب" الدولة المركزية وحرصها التاريخي. الحل يكمن في تغليب النصيحة القومية على الهواجس الضيقة، لاستعادة الحراك العربي بدلاً من حالة الخنوع والارتهان للخارج.
مصدر الخبر الأساسي: حساب الكاتب فؤاد الهاشم على منصة (X)
المصادر الأخرى:
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض