يواجه عالمنا المعاصر تحولات جيوسياسية كبرى تفرض على الأمم الطامحة للنهضة تحديات وجودية غير مسبوقة. إن التحدي الاستراتيجي الذي تواجهه الأمة اليوم، بل وتواجهه أي دولة تسعى لأن تكون "ناهضة" أو "مستقلة" حقاً عن مراكز القوى المتحكمة في النظام الدولي، يتمثل في قدرتها على امتلاك قرارها الوطني بيدها، وهو أمر لا يمكن تحقيقه في ظل حالة التشرذم الراهنة.
نحن نعيش يقيناً في "عصر التحالفات" العابرة للحدود، حيث لم تعد الدولة المنفردة — مهما بلغت مواردها — قادرة على الصمود أمام الضغوط الاقتصادية والعسكرية للقوى العظمى التي تسعى لإعادة هندسة الإقليم وفق مصالحها. وفي سبيل تحقيق ذلك، فإنها تعمل علي كسر الحكومات الدول الرئيسية المتماسكة في المنطقة، ومن ثم نشر الفوضي في ظل ضعف هذه الدول، وبعدها يتم إعادة رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة من خلال إعادة تقسيم المنطقة إلي دويلات صغيرة منكسرة تحت هيمنة قوي دولية وإقليمية تنهب موارد المنطقة وتصادر إراداتها. ومن هنا، تبرز ضرورة قصوى لتجاوز حالة "التمزق العربي والإسلامي" التي استُنزفت فيها ثرواتنا وطاقاتنا في صراعات بينية لا تخدم سوى الخصوم.
إن ما نرصده اليوم من بوادر تنسيق بين القوى الإقليمية الرئيسية — مصر والسعودية وتركيا — يعد خطوة في الإتجاه الصحيح. وهناك مؤشرات حول توسع هذه الدائرة لتشمل قوى صاعدة مثل باكستان وإندونيسيا وماليزيا. إن هذا التنسيق يمثل نواة لما يمكن اعتباره بمثابة "حلف إقليمي" فريد من نوعه، يعيد للأذهان بريق الكتل الاستراتيجية التي افتقدناها منذ تراجع حركة "عدم الانحياز" وتآكل النظام العربي التقليدي.
وفي هذا السياق، أشدد على ضرورة انضمام الجزائر لهذا التنسيق المتنامي، فالجزائر ليست مجرد دولة عادية، بل هي "دولة محورية" وحارس للمصالح الاستراتيجية في المغرب العربي. إن وجودها يملأ الفراغ الناجم عن غياب تمثيل هذه الكتلة المغاربية الهامة، ويمنح الحلف المقترح عمقاً أفريقياً ومتوسطياً لا غنى عنه لمواجهة مشروعات التقسيم والهيمنة.
ومع ذلك، يجب أن نعي حجم المؤامرات التي تسعى لإجهاض أي تقارب بين القوي الإقليمية الرئيسية، ومن بينها محاولات الوقيعة بين السنة والشيعة، والمبالغة المتعمدة في اختلاق أو تضخيم الخلافات المذهبية لزيادة الفجوة النفسية والسياسية بين الدول من خلال خلايا وكتائب فكرية وإعلامية وإلكترونية شعبوية منظمة. وتتضمن تلك المخططات العمل بدأب لمنع أي تقارب بين إيران ومحيطها العربي، لضمان استمرار حالة الاستنزاف المتبادل. ورغم الحساسيات المعقدة، فإن العقل الاستراتيجي يقتضي التفكير في صياغة تفاهمات تدمج كافة القوى الإقليمية، بما فيها إيران، لقطع الطريق على التدخلات الأجنبية ومحاولات إستغلال الانشقاقات لتعظيم الهيمنة الدولية علي مقدرات الإقليم.
ومن المحاذير التي ينبغي تجنبها هو إضفاء طابع ديني أو مذهبي علي نواة التحالف حتي لا تتجه الصراع في المنطقة ليأخذ منحي خطير سيكون في مصلحة الكيان الصهيوني وأطروحاته وأساطيره. بل يجب أن يكون حلفاً "براجماتياً" يقوم على وحدة المصالح، وينفتح على دول من خارج الإقليم الجغرافي والإسلامي تشترك معنا في الرغبة في مواجهة أي محاولات لفرض ما يتعارض مع مصالح دول المنطقة. إن الهدف هو بناء "كتلة حرجة" (علي أساس المصالح المشتركة .. وليس الهوية المذهبية) تملك وزناً إقتصادياً وعسكرياً يغير قواعد اللعبة الإقليمية والدولية، ويضمن لنا مكاناً تحت الشمس في عالم لا يحترم إلا الأقوياء المتكتلين.
سياسي ونقابي والمستشار الأسبق لوزير البيئة